رئيس التحرير
محمود سعد الدين
البريد_المصري
الرئيسية حالا القائمة البحث

«الشباك».. للمخرج هشام على عبد الخالق حين يصبح الصمت شريكًا في الجريمة

الفيلم الروائي القصير الشباك
الفيلم الروائي القصير الشباك

حصد الفيلم الروائي القصير الشباك للمخرج هشام علي عبد الخالق تنويهًا خاصًا من لجنة تحكيم مهرجان العودة السينمائي الدولي، وهو تقدير يبدو منسجمًا مع طبيعة العمل الذي لا يكتفي بسرد حكاية اجتماعية عن العنف والإهمال، بل يذهب إلى مستويات أعمق من التأمل في مفهوم الصمت الجمعي، وكيف يمكن للمجتمعات أن تتعايش مع القسوة اليومية إلى الحد الذي تفقد معه حساسيتها تجاه الألم الإنساني.

منذ اللقطات الأولى يعلن المخرج عن رؤيته البصرية بوضوح. تبدأ الكاميرا من الأعلى عبر لقطة درون واسعة تكشف الحارة الشعبية بوصفها بطلة خفية للأحداث. لا تبدو الحارة هنا مجرد مكان تجري فيه الوقائع، بل كائنًا حيًا يحتضن الشخصيات ويعيد إنتاج علاقاتها وتناقضاتها. تمنح اللقطة الجوية المشاهد إحساسًا بالحياد والمسافة، وكأننا نراقب نموذجًا مصغرًا للعالم من أعلى، قبل أن تبدأ الكاميرا في الاقتراب تدريجيًا من الأرض ومن البشر ومن تفاصيل حياتهم اليومية، لتنتقل الرؤية من العام إلى الخاص، ومن الصورة الكلية إلى الجرح الإنساني المختبئ داخلها.

داخل هذا الفضاء الشعبي يحتل صوت الميكانيكي مساحة كبيرة من النسيج السمعي للفيلم. فالرجل لا يتوقف عن الصراخ والإهانة والتوبيخ الموجه إلى ابن زوجته الصغير الذي يعمل معه في الورشة. اللافت أن الفيلم لا يقدم هذا العنف باعتباره حدثًا استثنائيًا، بل كجزء من الروتين اليومي للحارة. الجيران يسمعون، المارة يشاهدون، والأصوات تتكرر يومًا بعد يوم حتى تتحول إلى ضوضاء مألوفة. هنا ينجح الفيلم في الكشف عن إحدى أخطر الظواهر الاجتماعية: اعتياد العنف. فالمشكلة لم تعد في وجود القسوة نفسها، بل في تحولها إلى مشهد عادي لا يثير الدهشة ولا يدفع أحدًا إلى التدخل.

وسط هذا الاعتياد الجماعي تظهر شخصية الفتاة الواقفة خلف الشباك. ورغم أن حضورها يبدو هادئًا مقارنة بضجيج الشخصيات الأخرى، فإنها تمثل في الحقيقة مركز الثقل الدرامي والفلسفي للعمل. فهي الشخصية الوحيدة التي لا تتعامل مع ما يحدث باعتباره أمرًا طبيعيًا. يزعجها المشهد المتكرر، ويؤلمها ما يتعرض له الطفل، لكنها في الوقت نفسه عاجزة عن كسر دائرة الصمت. ومن خلال موقعها خلف النافذة تتحول إلى شاهد دائم على ما يحدث، شاهدة ترى كل شيء لكنها لا تمتلك القدرة على التغيير.

يكتسب الشباك هنا دلالة رمزية بالغة الأهمية. فهو ليس مجرد عنصر ديكوري أو تفصيلة مكانية، بل يمثل الحدود الفاصلة بين الرؤية والفعل، بين المعرفة والتدخل، وبين التعاطف والمواجهة. فالشخصية ترى الظلم بوضوح، لكنها تظل خلف حاجز يفصلها عنه. وكأن الفيلم يسأل: هل يكفي أن نرى المأساة؟ أم أن الرؤية التي لا يتبعها فعل تتحول هي الأخرى إلى شكل من أشكال الصمت؟

على المستوى الدرامي يوازي الفيلم بين معاناة الطفل والضغوط التي تتعرض لها الفتاة في حياتها الخاصة. فبينما يتعرض الطفل للقهر الجسدي والنفسي داخل الورشة، تواجه هي نوعًا آخر من القهر يتمثل في الضغوط الأسرية للقبول بزواج لا تريده. تمارس أختها وزوج أختها ضغوطًا مستمرة لإقناعها بالارتباط برجل ثري سبق له الزواج مرتين، ويبدو أن معيار الاختيار الأساسي بالنسبة لهم هو قدرته المادية لا أكثر. ومن خلال هذا الخط الدرامي يكشف الفيلم أن القمع لا يرتبط فقط بالعنف المباشر، بل قد يتجسد أيضًا في القرارات التي تُفرض على الإنسان باسم المصلحة أو الأعراف الاجتماعية.

وتأتي واحدة من أهم لحظات الفيلم عندما توافق الفتاة على مقابلة الرجل بعد تردد طويل، لتكتشف أنه يحمل ملامح قريبة من الميكانيكي الذي اعتادت رؤيته يوميًا. لا يتعلق الأمر بالتشابه الشكلي فحسب، بل بالتشابه في البنية النفسية وطريقة النظر إلى الآخرين. هنا يطرح الفيلم فكرة شديدة العمق مفادها أن العنف قد يغير شكله الخارجي لكنه يحتفظ بجوهره. فالرجل الثري والميكانيكي ينتميان إلى عالمين مختلفين اجتماعيًا، لكنهما يمثلان الوجه نفسه للسلطة الذكورية التي تنظر إلى الآخرين باعتبارهم أدوات أو ممتلكات.

يبلغ العمل ذروته المأساوية عندما يحبس الميكانيكي الطفل داخل الورشة. يتراكم الخوف والضغط النفسي على الصغير إلى أن يتعرض لصدمة عصبية تنتهي بوفاته. إلا أن قوة المشهد لا تكمن فقط في الحدث نفسه، بل في الطريقة التي يعالج بها الفيلم نتائجه. فبعد كل هذا الضجيج والصراخ، يحل الصمت فجأة. تختفي الأصوات التي ملأت المكان، ويتحول الجميع إلى وجوه جامدة مذهولة. وكأن الفيلم يقول إن الصمت الذي سبق المأساة لم يكن سوى تمهيد لصمت أكبر وأكثر قسوة يأتي بعدها.

هذا التحول من الضجيج إلى السكون يعد من أكثر عناصر الفيلم تأثيرًا. فالضجيج كان يخفي الجريمة ويجعلها جزءًا من الحياة اليومية، أما الصمت الذي يلي الوفاة فيكشف حجم الفقد والذنب الكامن في نفوس الجميع. إنها لحظة مواجهة متأخرة مع الحقيقة، لحظة يدرك فيها المجتمع أن تجاهله المتكرر لم يكن حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في صناعة الكارثة.

ويمنح المخرج بعدًا إنسانيًا وسياسيًا إضافيًا للفيلم من خلال الربط الرمزي بين مأساة الطفل والقضية الفلسطينية. ففي لحظة وفاة الطفل تتزامن الأحداث مع ظهور مشاهد لأطفال فلسطينيين من ضحايا العدوان عبر شاشة داخل الفيلم. لا يبدو هذا الربط عابرًا أو دعائيًا، بل يأتي منسجمًا مع الفكرة الرئيسية للعمل. فكما صمت سكان الحارة طويلًا أمام معاناة الطفل حتى انتهت حياته، يقف العالم كثيرًا في موقع المتفرج أمام مآسي الأطفال الأبرياء في مناطق الصراع والحروب. وهكذا تتحول الحارة الشعبية الصغيرة إلى استعارة لعالم أكبر، ويتحول الطفل إلى رمز لكل ضحية تُترك وحيدة في مواجهة القهر بينما يكتفي الآخرون بالمشاهدة.

في المشهد الختامي تظل الفتاة واقفة أمام الشباك في حالة من الصمت العميق. لم تعد هناك ضوضاء، ولم يعد هناك صراخ، لكن الأسئلة التي يتركها الفيلم معلقة في ذهن المشاهد تصبح أعلى من أي صوت. ماذا لو تدخل أحدهم مبكرًا؟ ماذا لو رفض المجتمع اعتبار العنف أمرًا طبيعيًا؟ وماذا يحدث عندما يتحول الصمت من موقف فردي إلى ثقافة عامة؟

يتميز «الشباك» بقدرته على توظيف أدواته البصرية والدرامية لخدمة فكرة إنسانية معقدة دون الوقوع في المباشرة. فهو فيلم عن طفل تعرض للظلم، وعن فتاة تبحث عن حريتها، وعن مجتمع اعتاد مشاهدة الألم دون أن يتحرك، لكنه في جوهره فيلم عن المسؤولية الأخلاقية للإنسان أمام معاناة الآخر. ومن خلال هذا الطرح ينجح هشام علي عبد الخالق في تقديم عمل يتجاوز حدود الحكاية المحلية ليطرح سؤالًا إنسانيًا عالميًا حول ثمن الصمت، ذلك الثمن الذي لا يُدفع إلا بعد فوات الأوان.

تم نسخ الرابط