د.مي مصطفى تكتب.. اجعلني في الثمانينيات
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، حين قررتُ أن ألعب لعبة صغيرة مع ذاكرتي: رفعتُ صورة لي على تطبيق للذكاء الاصطناعي وكتبتُ سطرًا واحدًا: «اجعلني في الثمانينيات» ، في ثوانٍ اختفت خلفية الصورة الحديثة، وفي مكانها ظهر ستار يحمل دفء حلم قديم استيقظ فجأة ، وذاب الضوء البارد للشاشة وتغيرت الملامح قليلا بشعرٌ منفوش لا يعرفه الأجيال الحالية.
في تلك اللحظة، لم أعد أنا فقط من ينظر إلى الصورة؛ بل انضم إليّ أصوات لأجيال شابة وهى تذاع عبر أشرطة كاسيت قديمة ، أو ربما صوت عبدالحليم يطل من شاشة تلفاز لفيلم بالأبيض والأسود، ورائحة عطر والدي التي كانت تملأ البيت يوم الجمعة ، ومذاق طعام بوقت العصاري مع غلق جزئي لشيش البلكونة مع شعاع شمس عنيد يتسلل من بين قضبانه ليرسم على الأرض خطوطًا من ذهب باهت .. هل هذا حنين للماضي ؟ أم هو رفض للواقع؟ أم أنه مجرد محاولة يائسة لالتقاط بعض الدفء في عالم بارد ملئ بالخوارزميات؟
جيل عاش الفترة… وجيل اكتشفها كـ"تجربة تريند" .. بالنسبة لمن عاشوا الثمانينيات فعليًا، لم يكن الأمر مجرد لعبة رقمية، بل رحلة حنين إلى تفاصيل لم يعد لها وجود اليوم ، أغانٍ كانت تُذاع في الراديو والتلفزيون، أزياء كانت علامة عصر، وطقوس اجتماعية ارتبطت بذكريات شخصية ، أما أجيال Z وألفا فالدافع مختلف.. التجربة بحد ذاتها هي الهدف .. محاكاة حقبة سمعوا عنها، ورؤية أنفسهم داخل إطار بصري مختلف، ومشاركة النتيجة كجزء من موجة تريند جماعية.
لماذا الثمانينيات تحديدا ؟ ..الثمانينيات كانت "فصلًا وسطا" في رواية القرن ، ليست تقليدية كالسبعينيات ولا رقمية كالألفية الجديدة ، كانت العقد الذي خرجت فيه الموسيقى من الراديو إلى الكاسيت، والصورة من الألبوم العائلي إلى شاشات MTV، والموضة التي تحمل بصمة بصرية قوية ، شعرٌ يتحدى الجاذبية، ألوانٌ لا تعتذر فلا حاجة للفلاتر، كتافٌ واسعة ، حقبة كانت تبدو أبسط وأكثر إنسانية عن غيرها .. يمكن رواية حكاياتها عبر أغاني وأفلام وصور أهالٍ أو من خلال مجلات الأطفال التي كنا نعشقها أو ربما روايات الزهور وعبير ورجل المستحيل أو فلاش أو زووم وغيرها ، نسخة مُنتقاة احتفظت بالموضة والموسيقى والدفء، ونسيت الحروب والأزمات .. هكذا لم يعد العقد مجرد تاريخ؛ صار شعورًا نشتاق إليه و لم نعهده بعد ذلك.
هكذا بحث جيل الثمانينيات عن مظاهر مفقودة لعصر تربّى عليه، واستخدم الذكاء الاصطناعي كجسر عاطفي يعيد له شيئًا من تلك الأجواء ، فهل هو مجرد تريند عابر؟ قد يكون ، لكنه يكشف شيئًا أعمق ... في عصر الخوارزميات والتخصيص المفرط، يبحث الناس عن سرديات بصرية مشتركة تعيد لهم إحساسًا بالانتماء إلى زمن محدد، حتى لو كان مُعاد بناؤه رقميًا ، الثمانينيات هنا ليست مجرد عقد، بل رمز لمرحلة يُتخيّل أنها كانت أقل تعقيدًا من فوضى الحاضر الرقمي.

في الثمانينيات كان للشارع طعمٌ آخر.. ملعبًا مفتوحًا للأولاد والبنات على حدٍ سواء، لعب بالكرات والعجل وماذا عن لعبة السيجا وكهربا واستغماية وغيرها، كانت تكفي قطعة إسفلت لتتحول إلى ساحة بطولة عالمية حتى لو كان هناك نادٍ قريب، كانت متعة حقيقية من القلب بلا قواعد صارمة ، فقط أصوات الضحك ونداءات الأمهات من الشرفات.
العيدية لم تكن مجرد ورقة نقدية تأخذها من عمّ أو خال، بل كانت هدية تأتيك ربما من الجار، أو غريب يبتسم لك في الطريق كأن العيد لا يكتمل إلا بمشاركة الجميع ، واللمة العائلية .. فمهما كبرت العائلة كانت تجد مكانها في بيت صغير.. غرفة معيشة واحدة تسع الجميع، لأن القلوب كانت أوسع من الجدران.
المصيف لم يكن مظهرًا من مظاهر الفشخرة والتصنع، بل أيامًا بسيطة على الشاطئ، حيث يكفى وجود العائلة والرمل والماء لصنع ذكريات تدوم ، أما خروجة الأسرة يوم الجمعة فقد كانت طقسًا أصيلًا لا يمكن أن يُستبدل أو يُؤجل لأن الحفاظ عليها كان حفاظًا على نسيج العائلة نفسه.
في النهاية ... كانت السعادة تُصنع بأبسط الطرق ..سعادة حقيقية نبحث اليوم عن تطبيقها، لكننا نجد أنفسنا نعيد بناءها بالذكاء الاصطناعي لأن الواقع لم يعد يسمح بها.
هل نحن نهرب من الحاضر؟ .. ربما... أو ربما نحن فقط نبحث عن استراحة قصيرة من ضجيج الحاضر، نأخذ فيها نفسًا عميقًا ونقول: دعونا نتخيّل أن العالم كان أبسط و أكثر براءة، وأقل تعقيدًا من فوضى الإشعارات واللايكات.
في النهاية، سواء كان هذا التريند مجرد موجة عابرة أو بداية لثورة نوستالجية جديدة ، فالنتيجة واحدة .. أعادنا إلى أيامٍ حلوة عشناها ، أو سمعنا عنها فتمنّينا أن نعيشها .. صورٌ بالذكاء الاصطناعي قد تكون مزيفة لكن المشاعر التي أثارتها حقيقية ، ربما لن تعود الثمانينيات بملابسها وأغانيها لكننا كجيلها نتمنى أن تعود روحها ،فليكن هذا التريند تذكيرًا بأن السعادة لا تحتاج إلى فلاتر معقدة، بل إلى قلوب مفتوحة ووقت نُعطيه لمن نحب ، وأن نتعلّم منها كيف نصنع أيامًا جديدة بنفس الطعم .


جوجل نيوز
واتس اب