من القمار إلى الترعة.. كيف تحولت 5 آلاف جنيه إلى جريمة قتل طفلين في المطرية
لم يكن الطفلان، البالغان من العمر 9 سنوات، يعلمان أن خروجهما من المنزل للعب في الشارع سيكون آخر مشوار لهما، وأن الدقائق التي قضاها أحد أقاربهما برفقتهما ستتحول إلى المشهد الأخير في حياتهما.
في أحد شوارع المطرية، ظهر المتهم أمام الطفلين، واصطحبهما معه، بينما كانت كاميرات المراقبة تسجل تحركاته خطوة بخطوة، دون أن يدرك أن هذه التسجيلات ستصبح بعد ساعات واحدة من أهم حلقات كشف الحقيقة.
لم تبدأ القصة في ذلك اليوم، وإنما سبقتها خلافات وأموال وجلسات قمار وخسارة كبيرة فالمتهم، بحسب ما توصلت إليه التحريات، كان قد دخل في جلسات قمار مع شقيقه وابن عمه، وانتهت تلك الجلسات بخسارته نحو 80 ألف جنيه، ليجد نفسه بعد ذلك بلا أموال.
سافر لفترة بعيدًا عن المكان، ثم عاد من جديد، وكان يريد توفير أموال لحضور مولد العذراء ومع عودته، بدأ يبحث عن المال، واتجه إلى أقاربه طالبًا مساعدتهم.
لم يطلب مبلغًا ضخمًا، وإنما طلب 5 آلاف جنيه من كل واحد من الطفلين، إلا أن طلبه قوبل بالرفض كان من الممكن أن تنتهي الأمور عند خلاف عائلي عابر، لكن الرفض لم يكن بالنسبة إليه نهاية الحديث، وإنما تحول إلى نقطة فاصلة في الأحداث التي أعقبت ذلك.
"من جلسات القمار إلى طلب المال"
كانت خسارة الـ80 ألف جنيه هي الخلفية التي سبقت الجريمة فالمتهم لم يعد يملك الأموال التي كان يريدها، وبعد سفره وعودته أصبح في حاجة إلى تدبير مبلغ جديد ومع رغبته في حضور مولد العذراء، بدأ يبحث عن الأموال التي يحتاج إليها، فكان طلبه من أسرتي الطفلين الحصول على 5 آلاف جنيه لكل واحد منهما.
لكن الطلب لم يجد استجابة، ورفضت الأسرتان إعطاءه المبلغ وبدلًا من أن يغلق الخلاف صفحته عند هذا الحد، ظل المتهم يتحدث هاتفيًا بشأن الأموال، إلى أن جاءت اللحظة التي رأى فيها الطفلين يسيران في الشارع.
لم يكن الطفلان طرفًا في الخلاف المالي، ولم يكن لهما علاقة بخسارة الـ80 ألف جنيه، لكنهما أصبحا بعد دقائق جزءًا من الجريمة التي بدأت بسبب المال.
"آخر مشوار للطفلين"
في أثناء وجود المتهم بالمنطقة، شاهد الطفلين في الشارع، فاقترب منهما واصطحبهما معهم لم يكن يعلم أن تحركاته أصبحت مرصودة، وأن كاميرات المراقبة الموجودة في المنطقة تسجل المشهد الذي سيصبح لاحقًا أحد أهم الأدلة في القضية.
خرج الطفلان من المشهد بصحبة المتهم، وبدأت بعد ذلك رحلة البحث عنهما.
ومع ورود البلاغ، تحرك رجال المباحث لفحص كل الاحتمالات، وبدأ السؤال الأول الذي يطرح نفسه في مثل هذه الوقائع: من آخر شخص شاهد الطفلين؟ ومن الشخص الذي ظهرا بصحبته قبل اختفائهما؟
بدأ فريق البحث في فحص علاقات الطفلين والمحيطين بهما، بالتزامن مع تفريغ كاميرات المراقبة في محيط المنطقة وتتبع خط سيرهما ومع مراجعة التسجيلات، ظهر المتهم بصحبة الطفلين، لتبدأ دائرة الاشتباه في التضييق حوله.
"الكاميرات كانت تتحدث"
لم تكن كاميرات المراقبة مجرد تسجيلات عابرة، وإنما أصبحت خيطًا مهمًا في إعادة رسم الدقائق الأخيرة قبل اختفاء الطفلين فقد جرى تتبع المشاهد التي ظهر فيها الطفلان، ومراجعة تحركات المتهم، وربط توقيت ظهورهما معًا بما أدلى به من أقوال.
كلما تقدمت عملية الفحص، أصبحت رواية المتهم محل شك أكبر، خاصة مع وجود تسجيلات ترصد اصطحابه للطفلين.
ومن هنا بدأ رجال المباحث في مواجهة أقواله بما توصلوا إليه، ومحاولة الوصول إلى الحقيقة بعيدًا عن الروايات المتضاربة.
كانت القضية بالنسبة لفريق البحث عبارة عن مجموعة من الأسئلة تحتاج إلى إجابات دقيقة؛ لماذا اصطحب المتهم الطفلين؟ إلى أين ذهب بهما؟ وما الذي حدث بعد آخر ظهور لهما في الكاميرات؟
ومع كل إجابة جديدة، كانت دائرة البحث تضيق أكثر.
«أنا خطفتهم».. الإنكار الأول
عندما تمكن المقدم محمد مجلي، رئيس مباحث قسم شرطة المطرية، وفريق البحث من ضبط المتهم، بدأت مرحلة جديدة من التحقيق معه.
وبمواجهته بما توصلت إليه التحريات وما ظهر في كاميرات المراقبة، لم يعترف المتهم بالجريمة في البداية، وحاول تقديم رواية أخرى لإبعاد الشبهة عنه.
أقر بأنه اصطحب الطفلين، لكنه حاول التنصل من معرفة مصيرهما بعد ذلك، مدعيًا أنه لا يعرف أين ذهبا أو ما الذي حدث لهما.
كانت تلك الرواية هي محاولته الأولى للخروج من دائرة الاتهام، إلا أن رجال المباحث لم يتعاملوا معها باعتبارها نهاية التحقيق، وإنما واصلوا مناقشته ومواجهته بما توصلوا إليه.
كانت هناك تسجيلات وتحركات جرى رصدها، وكانت أقواله بحاجة إلى أن تتطابق مع ما ظهر أمام رجال البحث ومع استمرار المواجهة، بدأت الرواية التي تمسك بها المتهم في البداية تتهاوى.
لحظة الانهيار.. "رميتهم في الترعة"
مع استمرار مناقشته ومواجهته بنتائج التحريات، تراجع المتهم عن روايته الأولى، وأقر في النهاية بارتكاب الجريمة، وكشف أنه تخلص من الطفلين بإلقائهما في مياه ترعة الإسماعيلية.
بهذا الاعتراف اكتملت الحلقة التي بدأ رجال المباحث في جمعها منذ لحظة تلقي البلاغ الخلاف المالي، وطلب الـ5 آلاف جنيه، وظهور الطفلين مع المتهم في كاميرات المراقبة، ثم الإنكار، وأخيرًا الاعتراف.
وبتكثيف جهود البحث، تمكنت الأجهزة المعنية من الوصول إلى جثماني الطفلين وانتشالهما من المياه، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، بينما تولت جهات التحقيق المختصة مباشرة التحقيقات للوقوف على كافة ملابسات الواقعة.
رجال المباحث.. خيط وراء خيط"
"منذ اللحظة الأولى لورود البلاغ، تكثفت جهود الأجهزة الأمنية لكشف غموض اختفاء الطفلين، تحت إشراف اللواء علاء بشندي، مدير الإدارة العامة لمباحث القاهرة، وبمتابعة العميد وائل غانم
مدير إداره المباحث الجنائية
وشارك في متابعة جهود البحث العميد سمير مجدي
رئيس مباحث قطاع الشرق والعقيد أحمد البنداري، مفتش المباحث، فيما قاد المقدم محمد مجلي رئيس مباحث قسم شرطة المطرية، فريق البحث في فحص ملابسات الواقعة وتتبع خط سير الطفلين والمتهم.
واعتمد فريق البحث على تفريغ كاميرات المراقبة، ومراجعة تحركات المتهم، وفحص علاقاته وخلافاته، إلى جانب الاستماع إلى أقوال المحيطين بالأسرة، حتى تمكن رجال المباحث من تضييق دائرة الاشتباه والوصول إلى المتهم ومواجهته بما توصلت إليه التحريات.
وبينما بدأ المتهم محاولته بالإنكار، لم تتوقف جهود البحث عند روايته، واستمرت المواجهة حتى انهارت محاولاته في إخفاء الحقيقة، وأقر في النهاية بالجريمة ومكان التخلص من الطفلين.
"5 آلاف جنيه.. عندما يتحول الخلاف إلى مأساة"
في النهاية، تبدو الأرقام صادمة في بساطتها؛ 80 ألف جنيه خسرها المتهم في القمار، ثم 5 آلاف جنيه طلبها من كل واحد من أسرتي الطفلين، لكن وراء هذه الأرقام مأساة أكبر بكثير.
طفلان في التاسعة من عمرهما خرجا للعب في الشارع، دون أن يعرفا أن الشخص الذي سيصطحبهما بعيدًا سيكون آخر شخص يراهما قبل وفاتهما.
لم يكن الطفلان طرفًا في الخلاف، ولم يكونا مسؤولين عن خسارة المتهم لأمواله، لكنهما دفعا الثمن الأكبر لخلاف لم يكن لهما فيه ذنب.
وبينما بدأت الجريمة بطلب مبلغ مالي وانتهت داخل مياه الترعة، كانت كاميرات المراقبة تسجل بصمت كل خطوة في الطريق، حتى تحولت المشاهد المسجلة إلى خيط قاد رجال المباحث نحو الحقيقة.
وهكذا، لم يعد السؤال فقط: لماذا قتل المتهم الطفلين؟
بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن أن يتحول خلاف على بضعة آلاف من الجنيهات إلى نهاية مأساوية لطفلين في التاسعة من عمرهما؟
القضية التي بدأت بخسارة في القمار، ثم طلب للمال ورفض، انتهت بجريمة قتل واعتراف، لتبقى الـ5 آلاف جنيه عنوانًا لمأساة لم يكن الطفلان طرفًا فيها، لكنهما كانا ضحيتها.


جوجل نيوز
واتس اب