تحدى الظلام بـ "القرآن الكريم".. الأول على مكفوفي الأزهر بأسيوط يكشف كواليس فرحته بعد مكالمة رئيس المنطقة

في قصة ملهمة تجسد انتصار الإرادة واليقين على فقدان البصر، حصد الطالب عبد الحكيم سليم علي سليم، ابن قرية مسارة بمركز ديروط، المركز الأول على مستوى محافظة أسيوط في الشهادة الثانوية الأزهرية للمكفوفين (القسم الأدبي)، بمجموع درجات بلغ 458 درجة من إجمالي 550 درجة، بنسبة نجاح بلغت 83%.
وبدأت لحظات الفرحة الغامرة تتوج مسيرة الطالب الكفيف، حينما تلقى اتصالاً هاتفياً مفاجئاً يحمل بشارة التفوق من الدكتور علي محمود، رئيس الإدارة المركزية لمنطقة أسيوط الأزهرية، والذي حرص على إبلاغه بالنتيجة شخصياً وتهنئته على هذا الإنجاز الاستثنائي، لتتوالى بعدها التهاني من الأستاذ فريد ومشايخ المعهد، وتتحول دموع التعب إلى فرحة عارمة غمرت منزل الأسرة البسيطة.
*القرآن سر التفوق والاعتماد على الذات*
ولم يأتِ هذا التفوق صدفة، بل كان نتاج رحلة اجتهاد طويلة بدأت بحفظ القرآن الكريم كاملاً والحصول على إجازة برواية حفص عن عاصم وهو في الخامسة عشرة من عمره. ويبدأ "عبد الحكيم" يومه دائماً بتلاوة القرآن الكريم، معتبراً إياه السر الأكبر وراء نجاحه وتوفيقه، ومؤكداً أنه كان يتوقع حصد المركز الأول ليقينه بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
ورغم التحديات الكبيرة، رفض الطالب الكفيف الاعتماد على الدروس الخصوصية تماماً، مفضلاً طريق التعلم الذاتي، حيث اعتمد في استذكار المواد العربية والشرعية والثقافية على شروحات المعلمين عبر منصة "يوتيوب". وفي خطوة تعكس ذكاءه ومواكبته للتطور التكنولوجي، استعان "عبد الحكيم" بتطبيقات الذكاء الاصطناعي مثل "شات جي بي تي" و"جيمناي" للبحث عن المعلومات وتنسيقها بشكل دقيق، إلى جانب اعتماده اليومي على تطبيقات القارئ الصوتي الذكي في هاتفه لقراءة ملفات الـ PDF ليستذكر دروسه لساعات طويلة دون كلل.
*تحدي التاريخ ودعم المعلمين*
وعن كواليس فترة الامتحانات، كشف "عبد الحكيم" أنه كان يشعر باطمئنان تجاه مواد الأدب والنصوص بفضل حبه لها، بينما كانت مادة التاريخ هي العقبة الأكبر التي أثارت مخاوفه طوال العام، إلا أنه تمكن بفضل الله ومجهوده من تجاوزها بنجاح وتحقيق درجة مبهرة.
ولم ينسَ الطالب الأزهري فضل معلميه في معهد "بنين ديروط"، موجهاً شكره الخاص للشيخ محمود عزت راجي، الذي دعمه بقوة وذلل له صعاب المواد العربية، والأستاذ صابر عبد التواب الذي تطوع لمرافقته ككاتب في الامتحانات، مشيداً بدوره المجتمعي الواسع في خدمة أهالي القرية بأكملها دون تأخر، كما عبر عن امتنانه للشيخ محمود عبد الراضي ولجميع معلمي المعهد الذين لم يبخلوا عليه بالدعم والتوجيه طوال العام، وإلى مرافقه الدائم الأستاذ أحمد مغربي الذي لم يتأخر عن مساعدته.
*الأب عامل باليومية والابن يطمح في "علوم القرآن"*
وتقف خلف هذا البطل أسرة بسيطة وداعمة، فهو الابن الأصغر بين خمسة أشقاء مبصرين. وتمثل والدته السند الروحي بدعواتها المستمرة له بالتوفيق، بينما يجسد والده، الذي يعمل باليومية، قصة كفاح موازية؛ حيث تولى مهمة مرافقته وتوصيله يومياً منذ سنوات دراسته الأولى في مدرسة "الأمل والنور" بأسيوط من الصف الأول حتى السادس الابتدائي، ثم في مرحلته الإعدادية بمعهد مسارة، وصولاً إلى المرحلة الثانوية.
وعن خطوته الجامعية القادمة، حسم "عبد الحكيم" قراره بالالتحاق بكلية علوم القرآن والقراءات بمدينة طنطا في محافظة الغربية، مفضلاً إياها عن فروع القاهرة لشغفه الكبير بتعلم القراءات العشر وتخصصه فيها. وهو القرار الذي دعمه والده بقوة، رافضاً التدخل أو إجباره على اختيار كلية قريبة جغرافياً، مؤكداً استعداده التام للسفر معه إلى طنطا وتأجير سكن للإقامة معه طوال فترة دراسته الجامعية، إيماناً منه بحق ابنه المطلق في تحقيق حلمه.
واختتم الطالب المتفوق، الذي سبق وأن حصد المركز الأول بالمحافظة في الشهادة الإعدادية أيضاً، حديثه بتوجيه رسالة لزملائه من الطلاب المقبلين على الثانوية الأزهرية، ناصحاً إياهم بعدم تأجيل المذاكرة أو تراكم المواد من اليوم الأول، والمواظبة على أداء الصلاة وتلاوة القرآن الكريم كمنهج حياة يضمن لهم التوفيق والنجاح.
_2845_051820.jpg)





جوجل نيوز
واتس اب