رئيس التحرير
محمود سعد الدين
البريد_المصري
الرئيسية حالا القائمة البحث

«النصوص الشرعية بين الفهم الصحيح وسوء التأويل».. موضوع خطبة الجمعة

أرشيفية
أرشيفية

نشرت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة القادمة والمقالات الداعمة لها عبر منصتها الرقمية بعنوان: «النصوص الشرعية بين الفهم الصحيح وسوء التأويل»، ومن المقرر أن تكون خطبة الجمعة الثانية بعد الاستراحة عن موضوع بعنوان: «الاحتكار».

النصوص الشرعية بين الفهم الصحيح وسوء التأويل

الحمدُ للهِ الذي أنزلَ على عبدِهِ الكتابَ مَنارةً للسالكينَ، وجعلَ السنّةَ النبويةَ بيانًا وهُدًى للمتقينَ، وأشهدُ أن لّا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، المنفرِدُ بالخلقِ والتدبيرِ، الذي علَّمَ الإنسانَ ما لمْ يعلمْ وأعطاهُ العقلَ مِيزانًا للتّفكيرِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا ونبيَّنا مُحمدًا عبدُ اللهِ ورسولُهُ، صاحبُ الفَهْمِ الأَوْفَى، والنّظرِ الأَسْمَى، الذي أُوتِيَ جوامعَ الكلمِ وفصْلَ الخطابِ، فكانَ فهمُهُ للنصوصِ نُورًا يجلُو ظُلُمَاتِ الارْتِيَابِ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلَى آلهِ وصحبِهِ، ومن تبِعَ هداهُمْ بإحسانٍ إلى يومِ المَآبِ، أمَّا بعدُ، فيا عبدَ اللهِ:

لحظة صعود المنبر لخطبة الجمعة بالشرقية

١- استبصِرْ منزلةَ الفهمِ السّديدِ في مِيزانِ الشريعةِ، واعلَمْ أنَّ الوحيَ الشريفَ نورٌ يتجلّى سنَاهُ لكلِّ ذي بصرٍ وبصيرةٍ، وهو المَعينُ الذي يتجاوزُ بصاحبِه حدودَ الظاهرِ، لِيَدْلِفَ بهِ إلى آفاقِ المَعاني، فالفَهمُ المُستنيرُ نورٌ يقذِفُهُ اللهُ في القلوبِ فيكونُ مِدادًا للهدايةِ، ومِنحةً إلهيةً تُشرقُ في النُّفوسِ فتتّضحُ بها غوامضُ المسائلِ، وتنكشِفُ بها دقائقُ الحِكَمِ، إذِ الفهمُ هو الدرجةُ العاليةُ التّي تلِي حفظَ الآياتِ، وبهِ تُستنبَطُ الأحكامُ وتُدرَكُ الغاياتُ، فالمؤمنُ الفطِنُ هو مَن فرَّغَ ذهنَهُ لتدبُّرِ الخطابِ، واستلَهمَ من ربِّهِ إصابةَ المعنى لفتحِ الأبوابِ، وصرَفَ همَّهُ لاستجلاءِ مُرادِ اللهِ في خلقِهِ، تلمُّسًا لبركةِ ما دَعا بهِ الجنابُ المعظمُ ﷺ لابنِ عباسٍ - رضيَ اللهُ عنهما - حينَ قالَ: «اللهُمَّ فقِّههُّ في الدينِ وعلِّمْهُ التأويلَ».

٢- استمسِكْ بمنهجِِ أهلِ الاعتدالِ والوسطيةِ، وعُضّ بالنواجذِ على الفكرِ المُستنيرِ الذي يجمعُ بين جَلالِ النصِّ وسماحةِ التطبيقِ، وهو منهجٌ يَعتمدُ على قراءةِ الوحيِ في ضوءِ لغةِ العربِ وأصولِ الفَهمِ الصحيحِ، ويزِنُ النوازلَ بمقاصدِ الشريعةِ التي تُحققُ مصالحَ البلادِ والعبادِ، حيثُ يُجري العامَّ على خاصِّهِ، ويَحمِلُ المطلقَ على مُقيَّدِهِ، ويرُدُّ مُتشابِهَ النصوصِ إلى مُحكمِها، ويستنطقُ الأدلّةَ في سياقِها الكليِّ وجامعِها المقاصديِّ، في مِيزانٍ مِنَ الدقةِ والانضباطِ، لتتجلّى أمامَ المتبصِّرِ منظومةٌ هاديةٌ تعصمُ من الغلوِّ والتفريطِ، فارجِعْ في فهمِكَ لنصوصِ الوحيينِ الشريفيْنِ لمنهجِ الأكابرِ الذين شهِدُوا مقاصدَ التنزيلِ، وابتعَدُوا عنِ الغلوِّ والتشدُّدِ والتضليلِ، امتثالًا للأمرِ الإلهيِّ: ﴿‌فَسۡأَلُوۤا۟ ‌أَهۡلَ ‌ٱلذِّكۡرِ ‌إِن ‌كُنتُمۡ ‌لَا ‌تَعۡلَمُونَ﴾.

٣- احذَرْ منَ خطرِِِ التأويلِ الفاسدِ ومَزالِقِِ الفهمِ السقيمِ، وخطرِ العقولِ الفاسدةِ التي انحرفتْ عن جادّةِ الحقِّ، فلم تكتَفِ بالجهلِ بل تجاوزتْهُ إلى التلاعُبِ بالنصوصِ وتطويعِها لخدمةِ الأهواءِ، فصارتْ تفرِّغُ الآياتِ من مقاصدِها الرَّحْبَةِ لتجعلَ منها سِلاحًا للتفسيقِ والتبديعِ وذَرِيعةً للتكفيرِ المُستباحِ، فإنَّ الجُرأةَ على نصوصِ الوحيِ بلا منهجٍ راسخٍ هي محضُ ضلالٍ، وإنَّ أخذَ الآياتِ مَبْتورةً عن سياقِها يُفضِي إلى شَتاتِ الحالِ وفسادِ المآلِ، فكم مِّن فتنةٍ ذُكِّيَتْ نارُها بتأويلٍ حائرٍ؟ وكم مِّن فِرقةٍ سقطتْ بسببِ عقلٍ عنِ الحقِّ جائرٍ؟ يُسِيءُ التأويلَ ليبثَّ الاضطرابَ في رُوعِ المجتمعاتِ، ويزعزِعَ أمنَها الفكريَّ، فاعتصِمْ بمنهجِ العلماءِ الأبرارِ لتنجوَ من وعيدِ الجبارِ الذي قالَ في مُحكمِ تنزيلِهِ: ﴿‌فَأَمَّا ‌ٱلَّذِینَ ‌فِی ‌قُلُوبِهِمۡ ‌زَیۡغࣱ ‌فَیَتَّبِعُونَ ‌مَا ‌تَشَٰبَهَ ‌مِنۡهُ ‌ٱبۡتِغَاۤءَ ‌ٱلۡفِتۡنَةِ ‌وَٱبۡتِغَاۤءَ ‌تَأۡوِیلِهِۦۖ﴾.

٤- تأملْ في قيمةِ العقلِ الربانيِّ، وقدرتِهِ على سَبْرِ أغوارِ النصوصِ، واستشعِرْ أنَّ العقلَ السديدَ هو المِفتاحُ الذي يُمَيّزُ بينَ الظاهرِ والباطنِ، ويستخرجُ دُررَ الحكمةِ من مَكَامِنِ الأحكامِ، واقتفِ أثرَ العقولِ التي أضاءتْ تاريخَنا بفيضِ نظرِها، كعقلِ الإمامِ الشافعيِّ في بيانِهِ، والإمامِ الفخرِ الرازيِّ في بُرهانِهِ، والإمامِ القَرافيِّ في فروقِهِ وتحقيقِهِ، والشيخِ العطارِ في تجديدِهِ وتدقيقِهِ، تلك عقولٌ استنارتْ بالوحيِ فجعلتْ مِنَ النصِّ رُوحًا تَسْري في واقعِ الأزمانِ، فاللهُ - تعالى - حينَ أثنى على سليمانَ - عليهِ السلامُ - جعلَ الفَهمَ مَنقبَةً عُظمَى تنيرُ لُبَّ الإنسانِ، فاحذرْ أن تحبِسَ عقلَكَ في قيْدِ الجمودِ الذي يقِفُ عند حَرْفِيَّةِ الكلماتِ، بل كُنْ صاحبَ بصيرةٍ تنْفُذُ إلى مُرادِ ربِّ البريّــاتِ، كما قالَ سبحانهُ وتعالى: ﴿‌فَفَهَّمۡنَٰهَا ‌سُلَیۡمَٰنَۚ﴾.


الخــــطبة الثانية

الحمدُ للهِ الذي جعلَ القصدَ في الأمورِ نجاةً، والشكرُ لهُ على ما أسبغَ من فضلٍ وحياةٍ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، جعلَ المعاملاتِ قائمةً على الصدقِ والرحمةِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، حذّرَ منَ الاستغلالِ والجشعِ، وبعدُ:

فيا أيُّها المسلمُ الفطِنُ: تأملْ في أحوالِ الأسواقِ وما يكتنِفُها من مُتغيراتٍ، وما يُواجِهُ الناسُ من تحدياتٍ، ستجدْ أنَّ الواقعَ يفرِضُ علينا أن نتحلّى بروحِ التَّكافلِ والأمانةِ، بعيدًا عنِ الاحتكارِ الذي يضيِّقُ على العبادِ، فاستشعارُ عِظَمِ المسؤوليةِ تجاهَ المجتمعِ يوجِبُ علينا إدراك أنَّ حبسَ السلَعِ ومنعَ تداولِها في أوقاتِ الحاجةِ يُمثلُ اعتداءً على استقرارِ الناسِ وأرزاقِهِمْ، فالمنهجُ النبويُّ في إدارةِ المُجتمعاتِ يغرِسُ فينا أنَّ التاجرَ الصدوقَ هو الذي يُسهِمُ في وفرةِ الأرزاقِ، ويأخذُ بأيدي الناسِ في الأسواقِ، ويعتبرُ كلَّ سلعةٍ يطرحُها في السوقِ بمقابلٍ عادلٍ، بعيدًا عن مسالكِ الاحتكارِ لَبِنَةً في بناءِ أمنِنا الغذائيِّ والمجتمعيِّ، حذِرًا أن يصدُقَ فيه قولُ الله تعالى: ﴿وَیۡلࣱ لِّلۡمُطَفِّفِینَ * ٱلَّذِینَ إِذَا ٱكۡتَالُوا۟ عَلَى ٱلنَّاسِ یَسۡتَوۡفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ یُخۡسِرُونَ﴾.

أيّها المكرّمُ: تأملْ في قُبحِ المسلكِ الذي يتخِذُهُ البعضُ حينَ يجمعونَ الأقواتَ ويحبِسُونَها طمعًا في زيادةِ الأثمانِ، فآفةُ الاحتكارِ خَنجرٌ يطعنُ في جسدِ المجتمعِ، وجريمةٌ تخلُقُ حالةً منَ الضيقِ والمُعاناةِ، فالمُحتكِرُ في أوقاتِ الشدائدِ يرتكبُ خطيئةً في حقِّ دينِهِ ووطنِهِ، ويزيدُ من أعباءِ المحتاجينَ ويعمِّقُ آلامَهُمْ عبرَ ممارسةِ الاحتكارِ الآثمِ، فبقاءُ البركةِ في الأموالِ مرهونٌ بصدقِ المُعاملةِ والنُّصحِ للمسلمينَ، وضياعُها يكونُ بالسعي خلفَ الربحِ القائمِ على استغلالِ الضروراتِ، فالمؤمنُ القويُّ هو مَنْ جعلَ مِن كسبِهِ طريقًا لنفعِ الناسِ في معاشِهِمْ وعونًا لهم في أزماتِهِمْ، فصُنْ يدَكَ عنِ التلاعبِ بأقواتِ العبادِ، واتقِ دعوةَ المظلومِ في العُسْرِ واليُسْرِ، والزمْ سبيلَ السماحةِ الذي يحبُّهُ اللهُ ورسولُهُ، فكنْ جالبَ خيرٍ وبركةٍ، وساهِمْ في صُمودِ وطنِكَ عبرَ الالتزامِ بقيمِ النزاهةِ والرحمةِ، فقد قالَ الجنابُ المكرَّمُ صلّى اللهُ عليهِ وسلمَ: «الجالبُ مرزوقٌ والمحتكرُ ملعونٌ».

          
تم نسخ الرابط