كيف أنقذت زراعة الجلد الطبيعي مرضى الحروق؟ حوار «بصراحة» مع مدير مستشفى أهل مصر
خطوة غير مسبوقة في علاج الحروق أثارت اهتمام الرأي العام، حيث أصبح مستشفى أهل مصر لعلاج الحروق أول منشأة صحية تبدأ باستيراد الجلد الطبيعي المتبرع به بعد الوفاة، لتغطية المناطق المصابة بالحرائق الحادة وتمكين المرضى من التعافي بشكل آمن وفعال.
ومع تصدر الموضوع على مواقع التواصل الاجتماعي وإثارة جدل واسع حول التبرع بالجلد والأنسجة، تواصل موقع «بصراحة» مع الدكتور رفعت عبدالمقصود، مدير مستشفى أهل مصر لعلاج الحروق أحد أبرز خبراء علاج الحروق وزراعة الجلد الطبيعي، لنسلط الضوء على أهمية هذه التجربة، التحديات التي تواجهها، عدد العمليات التي أجريت، وخطة إنشاء بنك وطني للجلد والأنسجة في مصر، في محاولة لفهم كل ما يتعلق بهذه المبادرة الطبية الفريدة.
خلال الحوار، نستعرض أهمية التجربة الطبية، التحديات التي تواجه استيراد الجلد الطبيعي، عدد العمليات التي أُجريت، وخطة إنشاء بنك وطني للجلد والأنسجة في مصر، بهدف دعم منظومة علاج الحروق بشكل مستدام وتحقيق أعلى معايير الرعاية للمرضى.
س/ ما المقصود بالجلد الطبيعي، ولماذا يعتبر ضروريًا في علاج الحروق؟
الجلد الطبيعي هو جلد يتم التبرع به بعد الوفاة ويستخدم في زراعة الجلد لمرضى الحروق الذين فقدوا مساحات كبيرة من الجلد نتيجة الإصابة. يمثل هذا النوع من الزراعة حلًا طبيًا مؤقتًا وضروريًا لتغطية المناطق المصابة، مما يسمح لجسم المريض بالتعافي أو بالانتظار حتى إمكانية إجراء زراعة الجلد الذاتي.
مستشفى أهل مصر لعلاج الحروق كان أول من بادر بهذه التجربة في مصر، وهي خطوة غير مسبوقة تهدف إلى إنقاذ حياة المرضى الذين لا تتوافر لهم أي بدائل علاجية أخرى، ووضع أساس عملي لحلول مستدامة في علاج الحروق على مستوى البلاد.
س\ ما أهمية الجلد الطبيعي بالنسبة لجسم الإنسان؟
الجلد الطبيعي ليس مجرد غطاء خارجي، بل يعد خط الدفاع الأول لجسم الإنسان، فهو يحمي من فقدان السوائل، ويمنع العدوى، ويساهم في تنظيم درجة حرارة الجسم، وعند فقدانه بسبب الحروق، يتعرض المريض لمخاطر جسيمة قد تهدد حياته خلال وقت قصير.
ورغم أن الجلد المزروع يستخدم كحل مؤقت، فإنه يؤدي دورًا حاسمًا في إنقاذ حياة المرضى، إذ يحد من العدوى، يقلل فقدان السوائل، ويساعد على استقرار درجة حرارة الجسم، مما يعزز فرص الشفاء بشكل كبير، خاصة في الحالات الحرجة التي تصيب نسبًا كبيرة من الجسم، حيث يصبح التدخل الطبي عاملًا فارقًا بين الحياة والموت، خصوصًا خلال الساعات والأيام الأولى بعد الإصابة.
س\ ما الفرق بين الترقيع الذاتي وزراعة الجلد الطبيعي؟
يعتمد الترقيع الذاتي على استخدام جلد المريض نفسه، ويعد مناسبًا للحروق المحدودة حيث تتوافر مساحات سليمة يمكن أخذ الجلد منها بعد استقرار الحالة الصحية. إلا أن هذا الخيار يصبح محدودًا في الحروق الواسعة، إذ لا تتوافر مناطق كافية لإجراء الترقيع الذاتي.
عند الأطفال، إذا تجاوزت نسبة الحروق 30% من مساحة الجسم، يصبح اللجوء إلى زراعة الجلد الطبيعي المتبرع به ضرورة طبية، أما لدى البالغين، فيتم ذلك عادة عند تجاوز نسبة 40%.
في هذه الحالات، تعد زراعة الجلد إجراءً منقذًا للحياة، حيث تستخدم بشكل مؤقت لتغطية المناطق المصابة، حماية الجروح من العدوى، تقليل فقدان السوائل، ودعم استقرار حالة المريض حتى يمكن إجراء الترقيع الذاتي لاحقًا بشكل آمن.
س\ من أين يتم استيراد الجلد الطبيعي، وكيف يتم حفظه لضمان فعاليته؟
تم استيراد الجلد الطبيعي من بنوك أنسجة معتمدة دوليًا، تعمل وفق أعلى معايير الجودة والسلامة الطبية، منها Euro Skin Bank هولندا، UK Skin Bank المملكة المتحدة، American Association of Tissue Banks (AATB) الولايات المتحدة، وAustralian Skin Bank أستراليا.
يشحن الجلد في درجات حرارة شديدة الانخفاض تصل إلى -80 درجة مئوية تحت الصفر لضمان الحفاظ على سلامته البيولوجية وجودته العلاجية. سرعة الإفراج الجمركي والنقل الآمن عنصر بالغ الأهمية، حيث أي تأخير قد يؤثر على جودة الجلد وقدرته على إنقاذ حياة المرضى.
يحفظ الجلد داخل وحدات تخزين متخصصة في درجات حرارة منخفضة للغاية تصل إلى -80 درجة مئوية، وهي الدرجة المعتمدة عالميًا للحفاظ على الأنسجة البشرية ومنع أي تدهور في خصائصها العلاجية، هذا النوع من الحفظ يتطلب بنية تحتية تقنية متقدمة وإجراءات صارمة في النقل والتخزين، ما يجعل وجود منظومة وطنية منظمة لبنوك الجلد والأنسجة أمرًا ضروريًا لضمان الاستدامة وسرعة التدخل الطبي.
س\ كم عدد عمليات زراعة الجلد الطبيعي التي أجريت حتى الآن، وما حجم الشحنات المستخدمة؟
منذ بدء تجربة استيراد الجلد الطبيعي، تمكن مستشفى أهل مصر لعلاج الحروق من إجراء 10 عمليات زرع جلد طبيعي، شملت حالات حرجة من الأطفال والبالغين الذين كانوا يواجهون خطر الموت بسبب الحروق الشديدة، كل عملية تمثل أكثر من مجرد تدخل جراحي، فهي فرصة حقيقية لإنقاذ حياة المريض ومنحه فرصة للشفاء وتحسين جودة حياته.
س\ ما تكلفة العملية، وهل العلاج متاح لجميع المرضى؟
تكلفة علاج مريض الحروق باستخدام الجلد الطبيعي مرتفعة للغاية، إذ تصل إلى نحو مليون جنيه للفرد الواحد حسب شدة الحروق، مدة الإقامة في العناية المركزة، وعدد العمليات المطلوبة، وقد تتجاوز هذا الرقم في بعض الحالات، على سبيل المثال، احتفل مستشفى أهل مصر بخروج مريض أجريت له عملية باستخدام الجلد الطبيعي للناجي إبراهيم السعيد، وبلغت تكلفة علاجه حوالي 3 ملايين و600 ألف جنيه، ورغم هذه التكلفة العالية، يظل المستشفى ملتزمًا بتقديم العلاج مجانًا بالكامل بالاعتماد على التبرعات، ما يؤكد أهمية إيجاد حلول مستدامة تقلل التكلفة وتزيد فرص إنقاذ المرضى.
س\ ما دور تدريب الأطباء في تجربة زراعة الجلد الطبيعي؟
يعد بروفيسور نعيم مؤمن، رئيس الخدمات الطبية للحروق بالمستشفى، أحد أبرز الخبرات المرجعية في مجال علاج الحروق وزراعة الجلد الطبيعي، يتولى الدور القيادي والمسؤولية الكاملة عن تدريب الأطباء وبناء الكوادر الطبية المتخصصة داخل المستشفى، وهو الوحيد في مصر القادر على إجراء هذه العمليات الدقيقة، ويشرف على تدريب الأطباء وتأهيلهم لإتقان هذا النوع من الجراحات.
س\ هل العلاج يقتصر على العملية الجراحية فقط؟
لا، علاج مريض الحروق يعتمد على منظومة متكاملة تشمل عدة تخصصات، مثل إدارة الألم، العناية المركزة، التغذية، الولادة، جراحة العظام، الاستكشاف البطني، المخ والأعصاب، جراحات العيون، وزراعة اليد. في مستشفى أهل مصر، يتم التعامل مع كل حالة بشكل متكامل ومجاني، ويتم تصميم خطة علاج شاملة لكل مريض وفق حالته الصحية والنفسية، لضمان أفضل فرص التعافي وتحسين جودة حياة الناجين.
س\ ما أهمية إنشاء بنك الجلد والأنسجة في مصر؟
وجود بنك للجلد والأنسجة في مصر سيشكل نقلة نوعية في علاج الحروق، حيث سيضمن توافر الجلد في الوقت المناسب، يقلل الاعتماد على الاستيراد المكلف، ويسهم في خفض تكلفة العلاج، كما سيعزز نسب النجاة، ويسرّع التدخل الطبي، ويدعم البحث العلمي والتدريب الطبي، وجود بنك الجلد ليس مجرد مشروع طبي، بل استثمار إنساني طويل الأمد لإنقاذ الأرواح وبناء منظومة صحية مستدامة.


جوجل نيوز
واتس اب