عصام عابدين يكتب: مادورو وحديقة ترامب الخلفية.. لمن تكون فنزويلا؟
لماذا كل هذا الصراع حول مادورو؟ ولماذا تُتهم الولايات المتحدة بالطمع في فنزويلا؟.. الحديث عن "اعتقال مادورو" هو تبسيط مخل لصراع أعمق بكثير. ما يجري في فنزويلا هو معركة نفوذ، وثروات، ونموذج حكم.. الولايات المتحدة لا تخفي مصالحها، ومادورو لا يخلو من المسؤولية. وبين هذا وذاك، يبقى الشعب الفنزويلي هو الخاسر الأكبر.. فالقضية الآن ليست فقط من يحكم فنزويلا، بل لمن تكون فنزويلا؟!.
لماذا فنزويلا؟
فنزويلا ليست دولة عادية في الحسابات الجيوسياسية. فهي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم (300 مليار برميل)، متفوقة حتى على السعودية (298 مليار برميل)، إضافة إلى ثروات ضخمة من الغاز الطبيعي والذهب والمعادن النادرة. هذا وحده كافٍ لجعلها في قلب اهتمام القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة.
لكن المفارقة الصادمة أن هذا البلد الغني يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والإنسانية في العصر الحديث: تضخم هائل، انهيار العملة، نقص الغذاء والدواء، وهجرة ملايين الفنزويليين. وهنا يبدأ السؤال الأخطر: من المسؤول؟
مادورو.. الوريث المثير للجدل
وصل نيكولاس مادورو إلى الحكم عام 2013 بعد وفاة هوجو تشافيز، الزعيم اليساري الذي بنى مشروعًا سياسيًا قائمًا على مناهضة الهيمنة الأمريكية والتحالف مع روسيا والصين وكوبا. مادورو لم يكن يتمتع بكاريزما تشافيز ولا بقدرته على إدارة التوازنات الداخلية والخارجية، ما جعله عرضة لانتقادات حادة في الداخل والخارج.
تتهمه المعارضة الفنزويلية والولايات المتحدة بـ تزوير الانتخابات وقمع المعارضين وتدمير الاقتصاد، بينما يرد مادورو بأن ما يحدث هو مؤامرة خارجية تهدف لإسقاطه والسيطرة على ثروات بلاده.
سر طمع أمريكا في فنزويلا؟
1. النفط أولًا وأخيرًا
النفط هو العصب الحقيقي للأزمة. تاريخيًا، كانت فنزويلا أحد أهم موردي النفط للولايات المتحدة. لكن بعد وصول تشافيز ثم مادورو، تم تأميم قطاع النفط وإقصاء الشركات الأمريكية الكبرى، وهو ما اعتبرته واشنطن تهديدًا مباشرًا لمصالحها الاقتصادية.

2. كسر النموذج المعادي
نجاح فنزويلا كنظام يساري مستقل عن واشنطن يشكل سابقة خطيرة في أمريكا اللاتينية، المنطقة التي اعتبرتها الولايات المتحدة لعقود "حديقتها الخلفية"، لذلك، فإن إسقاط مادورو يعني توجيه رسالة قوية لأي دولة تفكر في الخروج عن الخط الأمريكي.
3. الصراع مع روسيا والصين
فنزويلا ليست وحدها. فهي حليف استراتيجي لموسكو وبكين. روسيا استثمرت في النفط والسلاح، والصين أقرضتها مليارات الدولارات. وجود نظام موالٍ لهاتين القوتين في نصف الكرة الغربي يُعد كابوسًا استراتيجيًا لواشنطن.
وبدلًا من التدخل العسكري المباشر، لجأت الولايات المتحدة إلى العقوبات الاقتصادية. هذه العقوبات استهدفت قطاع النفط والبنك المركزي وشخصيات قيادية في النظام الحاكم.
فشل سيناريو الرئيس البديل
في 2019، دعمت الولايات المتحدة زعيم المعارضة خوان جوايدو، واعتبرته "رئيسًا مؤقتًا". بدا المشهد وكأن سقوط مادورو مسألة وقت، لكن ما حدث كان العكس:
الجيش بقي مواليًا لمادورو وتآكل الدعم الشعبي لجوايدو وتراجع الحلفاء الدوليون .. هذا الفشل كشف أن الأزمة أعقد من مجرد تغيير شخص في الحكم.
هل مادورو ضحية أم متورط؟
نعم.. هناك أطماع أمريكية واضحة في ثروات فنزويلا، وتاريخ طويل من التدخلات في أمريكا اللاتينية.. لكن سياسات مادورو الاقتصادية والإدارية ساهمت بشكل مباشر في الانهيار، وأغلقت أبواب الحلول السلمية.
***النتيجة.. ملايين الفنزويليين غادروا البلاد بحثًا عن فرص أفضل في دول الجوار، ما خلق واحدة من أكبر موجات الهجرة في المنطقة. وفي الداخل، يعاني من بقي من نقص الغذاء والدواء والخدمات الأساسية.
***باختصار.. ما يحدث في فنزويلا هو صراع على السلطة والثروة والنفوذ، تدفع ثمنه الأغلبية الصامتة من الشعب. الأزمة لم تعد سياسية فقط، بل تحولت إلى اختبار قاسٍ لقدرة دولة غنية بالموارد على النجاة وسط عواصف الداخل وضغوط الخارج.


جوجل نيوز
واتس اب