رئيس التحرير
محمود سعد الدين
البريد_المصري
الرئيسية حالا القائمة البحث

دكتور ثامر باعظيم يكتب : التواصل والإعلام والتنمية .. علاقة بنيوية متجددة ..كيف نخلق اعلام بناء وما هو دور فى خدمة المجتمع

دكتور ثامر باعظيم
دكتور ثامر باعظيم

في إحدى اللقاءات المهنية التي شاركت فيها مع قادة التواصل والاعلام العاملين في المنظمات الدولية والإقليمية طُرح تساؤل قد يبدو في ظاهره مألوفًا، ورغم ذلك تباينت حوله ردود الفعل ولكل تفسير مسبباته. والتساؤل هو: "لماذا تتواصل المنظمات مع الجمهور؟" كانت اول إجابة تخطر في ذهني حينها هي "الاستماع التحليلي“، حيث يُفترض بالمنظمة أنها تسعى من خلال إنتاج المحتوى إلى الاستماع لتحليلات المتلقين لمحتواها التواصلي والإعلامي ومعرفة آراءهم وردود أفعالهم نحوها؛ لتتمكن من معرفة الاحتياجات وبناًء على ذلك تبدأ في اتخاذ أي قرارات أو رسم أي سياسات مستقبلية.

وإذا أتينا إلى مجال التنمية سنجد أن إنتاج المحتوى سواًء في وسائل الإعلام أو المنصات الرقمية، يشهد نموا بشكل مطرد ومتسارع وفق المتغيرات الاتصالية، وترتب على هذه الظاهرة تداعيات على أهمية الإعلام والتواصل التنموي في ظل غياب الفهم الكاف للديناميكيات الحاكمة للعملية التنموية.

هناك تفاعل مهم بين الإعلام وما تقدمه المنظمات الدولية والإقليمية والمحلية أيضًا المعنية بالتنمية، وهذا مسحوب أيضًا على الأدوار الإنمائية التي تقدمها الحكومات بالتوافق أو التوازي مع خطة التنمية المستدامة العالمية 2030 الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وهو ما يؤكد أهمية تفعيل دور الإعلام التنموي في كافة المنظومات المختلفة.

لقد نتج عن الاهتمام المتزايد بالبحث في العلاقة المتبادلة بين الإعلام وغيره من المجالات الأخرى، قيام تخصصات تحمل مسميات عديدة تبرز خصوصية هـذه العلاقة، لذا فإن الاهتمام بتأثير الإعلام في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، أدى إلى ظهور ما يسمى بالاتصال والإعلام التنموي.

من المهم بشكل مهني عدم وضع "الإعلام التنموي" ضمن سياق الإخبار عن مشروع أو لقاء، بل يجب أن يتجاوز ذلك هذا المفهوم القاصر إلى البحث والاستقصاء والاستكشاف عن الفرص التنموية، بحيث يكون أداًء محركًا وليس تابعًا للمنظمات العاملة في هذا القطاع المحوري الذي تزداد أهميته يومًا بعد آخر.

لقد أدى التوسع المستمر للشبكات والتطبيقات التفاعلية، جنبًا إلى جنب مع انخفاض كلفة النفاذ والأجهزة، إلى تمكين ملايين الأشخاص في العالم النامي من أن يصبحوا منتجين للمحتوى التواصلي الإعلامي، حيث تخدم هذه "الأصوات" الجديدة احتياجات الناس من الترفيه والتنوير الثقافي والتواصل الإنساني، وليس ذا فحسب بل تساهم حتى في صناعة التأثير على الرأي العام وبطريقة غير مباشرة في رسم السياسات التنموية.

من الواضح أيضًا أن قطاع الإنتاج التواصلي والإعلامي المهيكل يتمتع بحضور اقتصادي كبير ومتزايد، بما في ذلك نسبة كبيرة من المؤسسات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة التي توظف العمال المهرة. حيث تعد الوسائط الرقمية مُحركًا رئيسا للاستثمار في البنية التحتية للنطاق العريض والتجارة الإلكترونية، وكلاهما يمكن أن يؤثر في الخطط والعمليات التنموية، ومع توسع فرص وسائل الإعلام الجديد، يتم تطبيق نماذج أعمال جديدة تمامًا من قبل الوافدين الجدد غير المتوقعين الذين يتحدون الأعمال التجارية المهيكلة.

كل ذلك يزيد من الحاجة إلى ما يعرف بالتواصل والإعلام التنموي الذي ظهر مفهومه في العقد السابع من القرن العشرين، ويعود الفضل في نشأته إلى الباحث ولبر شرام (Wilbur Schramm) الذي ألف في العام 1974 كتابًا في وسائل الإعلام والتنمية، وانطلق شرام من أهمية الإعلام بصفة عامة من خلال الذاكرة التاريخية للتحولات الكبرى وتأثيرات التواصل والإعلام فيها، وهو يرى أن الدور الذي لعبه الإعلام لتنبيه دول العالم الثالث إلى واقعها المتردي، كان له أثر كبير في إيقاظ الشعوب من سُباتها و جعلها تتطلع إلى مستوى معيشة الشعوب المتحضرة، فالإعلام والمواصلات كانا العامل الأهم في إيقاظ هذه الشعوب، كما أن الإعلام أعطى الدول النامية قنوات قوية تستطيع أن تؤثر بها في جماهيرها.

لقد رافق التطور الذي شهده العالم حدوث أزمات وصراعات كبيرة شملت جوانب مختلفة عديدة لا يمكن الخروج منها إلا بالتنمية المستدامة، خاصة أننا نعيش الآن في عصر العلم والمعرفة والفكر والانفتاح الذي يتطلب التفاعل مع معطيات المرحلة الراهنة ومواجهة تحدياتها، فلم يعد الصراع منحصر في القوة العسكرية أو النفوذ السياسي على الأراضي وإنما انتقل إلى كيفية استخدام المصادر المتوفرة بوسائل علمية تسهم في رفع المستوى الاقتصادي والاجتماعي لدى المجتمعات.

إن عملية التنمية تستهدف أساساً تطوير القدرات البشرية وحشدها للتغلب على المشاكل والعقبات التي تحول دون الوصول إلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي المنشود. والتنمية كعملية غايتها الناس وأدواتها الناس تستلزم المشاركة العامة في تنفيذها. وهذا يقتضي أن يصبح لكل فرد دور في هذه العملية، وأن يكون واعياً بما يجري حوله وبما يدور من خطط لتنمية مجتمعه وتطوره.

هذه الأمور تحتاج إلى توعية وتثقيف وتأثير سلوكي متواصل، كما تحتاج إلى تعليم وتدريب مستمرين. ومن هنا تبرز أهمية التواصل والإعلام في المجتمعات التي تطمح إلى تحقيق تنمية مستدامة وكيفية استخدام استراتيجياتها ووسائلها المتنوعة لحشد الجماهير ذات المصلحة في التغيير والتنمية. فالمجتمعات بحاجة إلى تواصل وإعلام يفهم ويواكب تطلعاتها الإنمائية، ويعمل على خلق المشاركة من جانب أفراده في العملية التنموية، وهو الذي يوفر الرغبة في التطوير وينمي اهتمام الناس بتنمية الحالة الاقتصادية والاجتماعية ببلدانهم .

إذن فإن الإعلام التنموي نشأ تعبيرًا عن الاحتياجات والاهتمامات المجتمعية، ثم تطور ليُصبح مطلبًا وطنيًا وحيويًا من ناحية التخطيط الوطني في الدول، وتجسدت أهميته في توصيل وتبسيط وحسن تنفيذ ومتابعة الأهداف الوطنية التنموية العُليا، والمساعدة على خلق تناغم اجتماعي بين المؤسسات المختلفة، ويمكن القول إنه يُعد الجهاز العصبي لعملية التنمية. وهدفه الأساس تعظيم مشاركة المجتمع في كافة العمليات التنموية وتحويله إلى مجتمع مساند للعملية التنموية.

نخلص من ذلك إلى أن التواصل والإعلام بات يشكل أحد الدعائم الاستراتيجية لبناء مشاريع التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحضارية، إذ لا يمكن التفكير في إرساء أي سياسات تنموية ناجحة دون إحداث إصلاحات فعالة تعتمد على خطط التواصل الإعلامية النوعية والحكيمة، والتي لن تتم إلا وفق الأسس المنهجية والمهنية الاحترافية للتواصل والإعلام التنموي.

لذا أوصي مؤسسات التنمية بأن يكون لديها علاقة مباشرة ومؤثرة في مختلف الطرق الإعلامية، بحيث تقوم هذه العلاقة على إيصال رسائل تنموية تؤثر في صناع السياسات والمستفيدين من المشروعات التنموية، وهذا بلا شك سيساعد في خلق الدعم لضمان الاستمرارية والاستدامة،كما أن هذه العلاقة ستساعد المنظمات التنموية على الاستماع من المستفيدين وبالتالي تكوين الخطط بناء على فهم متكامل للاحتياجات.

          
تم نسخ الرابط