رئيس التحرير
محمود سعد الدين
الرئيسية حالا القائمة البحث
eelu

د. أمين لطفي يكتب: الهيئات الاقتصادية والموازنة العامة.. حين يصبح الفائض خارج الموازنة عبئًا على المواطن

د. أمين لطفي
د. أمين لطفي

ليست المشكلة دائمًا في أن الدولة تعاني من نقص الموارد، وإنما قد تكمن المشكلة الأخطر في كيفية تجميع الموارد العامة وإدارتها وتوزيعها. فقد توجد داخل الدولة جهات تمتلك أصولًا وإيرادات وفوائض مالية كبيرة، بينما تعاني الموازنة العامة في الوقت نفسه من عجز متزايد، وتتحمل أعباء تمويلية وديونًا والتزامات يفترض أن تخضع لرؤية مالية موحدة.

وهنا تظهر واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في المالية العامة: الاختلالات المالية المستمرة بين الهيئات الاقتصادية والموازنة العامة للدولة.

المسألة ليست مجرد خلاف محاسبي حول مكان تسجيل الإيراد أو الفائض. إنها قضية تتعلق بجوهر إدارة المال العام، وبمدى قدرة الدولة على رؤية مواردها والتزاماتها بصورة شاملة، ثم اتخاذ القرار المالي على أساس الصورة الكاملة لا على أساس أجزاء منفصلة منها.

أين يكمن الداء؟

يمكن تبسيط المشكلة في صورة تبدو للوهلة الأولى متناقضة.

هناك هيئة اقتصادية تحقق إيرادات أو فوائض. هذه الفوائض لا تدخل بالضرورة بالكامل إلى الموازنة العامة، وإنما قد تبقى داخل الهيئة وفقًا للقواعد القانونية والتنظيمية التي تحكمها.

وفي الوقت نفسه قد تحتاج الهيئة إلى تمويل أو اقتراض لتنفيذ مشروعاتها أو سداد التزاماتها. وقد تتحمل الدولة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، جانبًا من أعباء هذا التمويل أو ضماناته أو خدمة ديونه.

وفي المقابل، قد تحصل الوزارة أو الجهة الحكومية المرتبطة بهذه الهيئة على موارد من الموازنة العامة لتمويل أنشطة أو التزامات مختلفة.

وهكذا يمكن أن نجد، في النظام المالي نفسه، فائضًا في جانب وعجزًا في جانب آخر، ومديونية في جانب، وتمويلًا عامًا في جانب آخر.

المشكلة هنا ليست بالضرورة أن الهيئة تحقق فائضًا، فهذا أمر إيجابي في حد ذاته. وليست المشكلة في أن تقوم الدولة بتمويل هيئة عندما تكون هناك ضرورة اقتصادية أو اجتماعية حقيقية.

المشكلة تبدأ عندما لا توجد رؤية مالية موحدة تكشف العلاقة الكاملة بين الفوائض والاحتياجات والديون والتحويلات والضمانات.

فالقراءة المنفصلة لكل هيئة قد تجعل أداءها يبدو جيدًا، بينما تكشف القراءة الموحدة للقطاع العام صورة مختلفة تمامًا.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي:

هل نقيس نجاح الهيئة فقط بما تحققه داخل حساباتها، أم نقيس أيضًا أثرها الصافي على المركز المالي للدولة؟

المواطن هو الطرف الذي يدفع الثمن

قد تبدو هذه القضية بعيدة عن المواطن العادي، لكنها في الحقيقة تمس حياته اليومية بصورة مباشرة.

فعندما تتسع الفجوة بين موارد الدولة والتزاماتها، تحتاج الحكومة إلى البحث عن مصادر إضافية للتمويل. وقد يعني ذلك زيادة الاقتراض، أو ارتفاع تكلفة خدمة الدين، أو تقليص الإنفاق الاستثماري، أو زيادة الضغط على الإيرادات العامة.

وفي النهاية، يتحمل المواطن جانبًا من تكلفة هذا الاختلال.

ومن هنا فإن القضية لا ينبغي أن تُطرح باعتبارها صراعًا بين الموازنة والهيئات الاقتصادية.

المطلوب هو النظر إلى الدولة باعتبارها منظومة مالية واحدة، مع احترام الاستقلال القانوني والتشغيلي لكل هيئة.

فالهيئة التي تحقق فائضًا ليست خصمًا للموازنة، والموازنة ليست خصمًا للهيئة.

لكن استمرار وجود موارد عامة كبيرة في كيانات مختلفة، مع تحمل الموازنة في الوقت نفسه أعباء تمويلية مرتبطة بها، يستوجب وجود حوكمة مالية مستقلة وشفافة تستطيع قياس الصورة الكاملة.

أين يكمن الدواء؟

الدواء ليس في مصادرة فوائض الهيئات، وليس في إجبار كل هيئة على تحويل كامل مواردها إلى الموازنة دون النظر إلى احتياجاتها الاستثمارية والتشغيلية.

الدواء في إنشاء نظام موحد لقياس العلاقة المالية بين الهيئة والدولة.

وهنا يمكن أن تلعب المحاسبة دورًا يتجاوز تسجيل الأحداث المالية إلى دعم القرار المالي العام.

المطلوب هو بناء إطار محاسبي مدعوم بالمحاكاة يستطيع أن يجيب عن أسئلة بسيطة ولكنها شديدة الأهمية:

ماذا يحدث للعجز إذا تم تحويل جزء محدد من فائض هيئة إلى الموازنة؟

ماذا يحدث إذا احتفظت الهيئة بالفائض لتمويل استثماراتها؟

ما تكلفة اقتراض الهيئة مقارنة بتكلفة تمويلها من مواردها الذاتية؟

وإذا تحملت الموازنة خدمة ديون مرتبطة بالهيئة، فما هو الأثر الصافي لهذه العملية على المالية العامة؟

وماذا يحدث إذا جرى تطبيق هذه السياسة على عشرات الهيئات في الوقت نفسه؟

هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها من خلال الحسابات المنفصلة وحدها. إنها تحتاج إلى محاكاة مالية ومحاسبية تسمح لصانع القرار برؤية النتائج المحتملة قبل اتخاذ القرار.

من إدارة كل هيئة منفردة إلى إدارة المحفظة العامة

الإصلاح الحقيقي يبدأ بتغيير زاوية النظر.

بدلًا من أن تسأل الدولة:

كم حققت هذه الهيئة من فائض؟

ينبغي أن تسأل:

ما هو صافي أثر هذه الهيئة على المالية العامة للدولة؟

وهذا يتطلب إنشاء مؤشرات موحدة تشمل على سبيل المثال:

  • الفائض التشغيلي للهيئة.  
  • حجم التحويلات إلى الموازنة.  
  • التمويل الذي تحصل عليه من الموازنة. 
  • الديون والالتزامات والضمانات الحكومية المرتبطة بها. 
  • تكلفة خدمة الدين.  
  • الاستثمارات التي تمولها من مواردها الذاتية. 
  • صافي أثرها على المالية العامة. 

وعند تطبيق هذه المؤشرات على جميع الهيئات يمكن للدولة أن تميز بين ثلاث حالات مختلفة:

هيئة مولدة للفائض، وهيئة متوازنة، وهيئة مستنزفة للموارد العامة.

وهذه التفرقة أكثر عدالة وموضوعية من التعامل مع جميع الهيئات باعتبارها فئة واحدة.

الحوكمة المستقلة هي الحلقة المفقودة

لا يمكن إصلاح الاختلالات المالية المستمرة بمجرد إصدار تعليمات جديدة.

المطلوب هو نظام حوكمة مستقل يضع قواعد واضحة للتعامل مع الفوائض والتمويل والاقتراض والتحويلات.

وينبغي أن تكون هناك معايير معلنة تحدد:

متى تحتفظ الهيئة بالفائض؟

ومتى تحول جزءًا منه إلى الموازنة؟

ومتى يسمح لها بالاقتراض؟

ومتى تتحمل الدولة خدمة الدين؟

وما شروط تدخل الموازنة في تمويلها؟

والأهم: من يراجع العلاقة المالية الكاملة بين الطرفين؟

إن وجود جهة رقابية مستقلة ذات صلاحيات واضحة، مع نشر بيانات مالية موحدة وقابلة للمقارنة، يمكن أن يحول القضية من مساحة تقديرية واسعة إلى نظام قائم على قواعد يمكن قياسها ومراجعتها.

لا بد من كشف الصورة الكاملة

من أخطر مشكلات المالية العامة أن تكون البيانات صحيحة كل منها في مكانها، لكن الصورة الكلية غير واضحة.

قد تكون حسابات الهيئة صحيحة، وحسابات الموازنة صحيحة، وتقارير الدين صحيحة، ومع ذلك لا يرى صانع القرار بسهولة العلاقة الكاملة بينها.

وهنا تأتي أهمية التقارير المالية الموحدة للقطاع العام وربط بيانات الهيئات بالموازنة والدين العام والتدفقات النقدية.

فالشفافية الحقيقية ليست مجرد نشر أرقام كثيرة، وإنما تمكين المواطن وصانع القرار والبرلمان وأجهزة الرقابة من فهم القصة المالية كاملة.

الدواء ليس سحب الفوائض... بل تحقيق العدالة المالية

ليس الهدف من الإصلاح أن نحول كل فائض تحققه الهيئات إلى الموازنة، لأن ذلك قد يقتل الحافز على الكفاءة والاستثمار.

كما أن ترك الفوائض دون إطار واضح ليس حلًا.

الحل يقع في المنتصف: قواعد عادلة وشفافة تحدد نصيب الهيئة من فائضها مقابل نصيب الدولة، وتربط ذلك بأدائها واستثماراتها والتزاماتها المالية تجاه الخزانة.

ومن هنا يمكن أن يكون لكل هيئة ما يشبه "عقدًا ماليًا" مع الدولة، يحدد حقوقها والتزاماتها، وحجم الفائض الذي يمكنها الاحتفاظ به، ونسبة ما يؤول إلى الموازنة، وشروط الاقتراض، ومسؤولية خدمة الدين.

وبذلك تنتقل الدولة من الإدارة الفردية المتفرقة إلى إدارة مالية استراتيجية للموارد العامة.

كلمة أخيرة

القضية في جوهرها ليست قضية أرقام فقط، وإنما قضية عدالة في إدارة المال العام.

عندما توجد فوائض كبيرة في بعض الكيانات، بينما تعاني الموازنة من العجز والاقتراض، فلا يكفي أن نقول إن كل جهة تعمل وفق قانونها الخاص.

الدولة في النهاية كيان مالي واحد، والمواطن هو من يتحمل تكلفة الاختلال عندما تتراكم الديون وترتفع أعباء خدمتها وتتراجع قدرة الموازنة على تمويل الخدمات والاستثمارات.

لذلك فإن الإصلاح المطلوب ليس حربًا على الهيئات الاقتصادية، ولا مصادرة لفوائضها، وإنما إعادة بناء العلاقة المالية بينها وبين الموازنة على أساس المحاسبة والشفافية والحوكمة والقياس والمحاكاة.

والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس:

أين ذهبت فوائض هذه الهيئة؟

بل السؤال الأهم:

ما هو الأثر الصافي لكل هيئة على المال العام، ومن يدفع تكلفة هذا الأثر في النهاية؟

عندما نستطيع الإجابة عن هذا السؤال بأرقام واضحة وقواعد معلنة، نكون قد بدأنا بالفعل علاج الاختلال المالي، لا مجرد إدارة أعراضه.

تم نسخ الرابط