واشنطن تقلب قواعد الناتو... الحماية مقابل الولاء وأوروبا أمام أخطر اختبار
حمل إلبريدج كولبي وكيل وزارة الدفاع الامريكية للسياسات إلى مقر حلف شمال الاطلسي في بروكسل رسالة مزدوجة أوروبا لا تزال مصلحة أساسية للولايات المتحدة لكن استمرار العلاقة بالشكل الحالي لم يعد مضمونا.
وخلال إحاطة سفراء الحلف الخميس بشأن مراجعة الانتشار العسكري الامريكي أشاد كولبي بتقدم الدول الاوروبية في تحمل مسؤولية دفاعها التقليدي لكنه أكد في الوقت نفسه أن قضايا استخدام القواعد والمجال الجوي وحقوق العبور لا تزال بحاجة إلى تسوية.
_2846_075907.jpg)
وتضع واشنطن حاليا نصف الكرة الغربي ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ ضمن أولوياتها الرئيسية.
واشنطن لا تنسحب من الناتو ولكنها تعيد رسم العلاقة
لا تعني هذه الرسالة أن الولايات المتحدة تتجه بالضرورة إلى الانسحاب من الناتو أو التخلي رسميا عن مبدأ الدفاع المشترك لكنها تكشف تحولا أعمق في طبيعة العلاقة.
_2846_080002.jpg)
فالادارة الامريكية تتجه من التزام مؤسسي تتقاسم اعباءه الدول بشكل جماعي إلى علاقة أكثر انتقائية قد يرتبط فيها حجم الحماية والانتشار العسكري بدرجة انفاق كل دولة ومدى تسهيلها للعمليات الامريكية وانسجامها مع أولويات واشنطن خارج أوروبا.
أربعة سيناريوهات لمستقبل 80 ألف جندي امريكي
تكتسب زيارة كولبي أهميتها من كونها جزءا من مراجعة تمتد ستة أشهر لمستقبل نحو 80 ألف جندي امريكي في أوروبا.
وكشفت وثيقة الشروط المرجعية التي اطلعت عليها رويترز أن البنتاغون سيعد أربعة بدائل على الأقل تتعلق بأعداد القوات ومواقع انتشارها وسرعة تعديل تمركزها وتكلفة كل خيار.
ومن المقرر عرض هذه البدائل على وزير الدفاع بيت هيغسيث بحلول السادس من نوفمبر تشرين الثاني قبل الموعد النهائي للمراجعة في ديسمبر.
_2846_080126.jpg)
وبحلول 18 سبتمبر سيشارك القائد الاعلى للقوات الامريكية في أوروبا مع كولبي في إحاطة لتحديد الخيارات التي سترفع إلى هيغسيث.
وقال مسؤول رفيع في البنتاغون إن الادارة تتجه نحو دعم امريكي حاسم لكنه أكثر محدودية مع منح الحلفاء دور القيادة في الدفاع التقليدي عن أوروبا.
تقليص القوات بدأ قبل انتهاء المراجعة
لم تنتظر واشنطن انتهاء المراجعة لبدء إعادة التموضع.
وأشار تحليل لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى بدء خفض القوات الامريكية في ألمانيا ورومانيا واستونيا إلى جانب إلغاء نشر قدرات للضربات بعيدة المدى في ألمانيا.
_2846_080305.jpg)
وتشمل الخيارات المطروحة أيضا تقليص أعداد من الطائرات المقاتلة ومنصات التزود بالوقود والاستطلاع والقاذفات والقطع البحرية المخصصة لخطط الحلف رغم أن هذه الخيارات لم تتحول جميعها إلى قرارات نهائية.
اختبار واشنطن يتجاوز حجم الانفاق
لطالما طالبت الادارات الامريكية أوروبا بزيادة موازناتها الدفاعية لكن مراجعة ترمب تضيف معايير جديدة تتجاوز المال والقدرات العسكرية.
فقد أرسلت واشنطن إلى دول الحلف استبيانا يتناول القيود المفروضة على وصول القوات الامريكية إلى القواعد والمجال الجوي ومدى استعداد الحكومات لإلغاء هذه القيود إلى جانب القواعد التي يمكن أن تعرقل التعاون الصناعي الدفاعي عبر الاطلسي.
_2846_080439.jpg)
وبحسب رويترز تتضمن الاسئلة أيضا مدى تأييد الدول علنا لسياسات الولايات المتحدة في أوروبا والشرق الاوسط ونصف الكرة الغربي.
وبذلك يدخل الموقف السياسي في حسابات قد تؤثر في قرارات الانتشار العسكري الامريكي.
الحماية الامريكية تتحول إلى علاقة مشروطة
وصفت مصادر دبلوماسية اوروبية هذا الربط بأنه نهج تعاملي محذرة من تحول المراجعة إلى ما يشبه مسابقة تتنافس فيها الدول على تقديم شروط أفضل للاحتفاظ بالقوات الامريكية على أراضيها.
وبرز هذا البعد بعد الحرب مع إيران عندما اتهم الرئيس دونالد ترمب ووزير الدفاع بيت هيغسيث بعض الحلفاء بالتأخر أو الامتناع عن السماح للطائرات الامريكية باستخدام قواعدهم ومجالاتهم الجوية.
_2846_080542.jpg)
كما أعلن هيغسيث ربط مساهمة واشنطن في موازنة الناتو بوفاء الدول الاخرى بتعهدات الانفاق قائلا إن دولا ستنجح في المراجعة وأخرى ستفشل.
ومن وجهة نظر الادارة الامريكية لا يمكن مطالبة واشنطن بضمان أمن دول ترفض تسهيل عملياتها.
لكن الاعتراض الاوروبي يقوم على أن المادة الخامسة تتعلق بالدفاع عن أراضي الحلف ولا تعني تلقائيا تأييد واشنطن للحروب التي تخوضها خارج نطاق الدفاع الجماعي.
المادة الخامسة باقية ولكن السؤال عن المصداقية
على المستوى الرسمي جدد قادة الناتو بمن فيهم ترمب خلال قمة انقرة الاخيرة التزامهم الصلب بالمادة الخامسة التي تنص على أن الهجوم على عضو في الحلف يعد هجوما على الجميع.
_2846_080713.jpg)
لكن مصداقية الدفاع المشترك لا تتوقف على النص وحده بل تعتمد أيضا على القوات والقواعد والقدرات الموجودة مسبقا والقادرة على تنفيذ هذا الالتزام.
الناتو 3.0... أوروبا تتولى الدفاع وامريكا تحتفظ بالمظلة النووية
يطلق كولبي على هذا التحول اسم الناتو 3.0.
وبموجب هذا التصور تتولى أوروبا المسؤولية الاساسية عن دفاعها التقليدي بينما تحتفظ الولايات المتحدة بالمظلة النووية وبحضور تقليدي أصغر وقدرات استراتيجية يصعب على الدول الاوروبية تعويضها بسرعة.
_2846_080828.jpg)
ويعرض الامين العام للناتو مارك روته هذا التحول باعتباره إعادة توازن داخل الحلف وليس انفصالا عنه مشيرا إلى ارتفاع الانفاق الاوروبي وتولي الحلفاء معظم الالتزامات التي خفضتها واشنطن.
المال وحده لا يعوض القدرات الامريكية
لكن زيادة الانفاق الاوروبي لا تعني تلقائيا سد الفجوة التي يمكن أن يتركها تقليص الوجود الامريكي.
وبحسب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية لا تزال أوروبا تعتمد على الولايات المتحدة في شبكات القيادة والسيطرة ودمج المعلومات الاستخباراتية والدفاع الجوي والصاروخي والذخائر الدقيقة.
_2846_080953.jpg)
كما تحد محدودية القدرة الصناعية الاوروبية من سرعة استبدال هذه الامكانات.
ويرى منتقدون أن قياس الحلفاء وفق درجة قربهم السياسي من واشنطن قد يؤدي إلى منافسة بينهم بدلا من تعزيز التكامل وتقاسم الادوار.
تحذير من معاقبة الحلفاء الاقرب لواشنطن
قال جون هاردي الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات إن من الطبيعي أن تكون لواشنطن توقعات معينة من حلفائها لكنه شدد على أن الناتو طريق ذو اتجاهين وأن على الولايات المتحدة ايضا أن تكون حليفا جيدا.
وأضاف أن قرارات الانتشار الامريكي في أوروبا ينبغي أن تستند إلى تحليل واقعي للتهديدات ولأفضل المواقع لتخصيص الموارد مشيرا إلى أن التهديد الروسي سيستمر وأن أوروبا تحتاج إلى وقت لإعادة التسلح.
_2846_081255.jpg)
وحذر من أن ترك الاوروبيين أمام فجوات رئيسية في القدرات قد يغري بالعدوان مشددا على عدم معاقبة حلفاء نموذجيين مثل بولندا ودول البلطيق بسحب وحدات امريكية لا تحتاج إليها ساحة المحيط الهادئ.
تقليص القوات التقليدية قد يضعف الردع النووي
يرى المعهد الملكي للخدمات المتحدة أن الفصل بين المظلة النووية والوجود التقليدي الامريكي في أوروبا مصطنع جزئيا.
فالقوات الامريكية تؤدي دور سلك الانذار الذي يجعل تدخل واشنطن في مواجهة روسيا أكثر صدقية كما توفر خيارات بين الاستسلام والانتقال مباشرة إلى التصعيد النووي.
_2846_081411.jpg)
ومن ثم فإن تقليص القدرات التقليدية المتقدمة قد يؤدي إلى إضعاف المظلة النووية التي تقول الادارة الامريكية إنها ستبقيها سليمة.
الاختبار الحقيقي: دفاع جماعي أم حماية على قدر الولاء؟
في النهاية لا يتوقف مستقبل الناتو فقط على عدد الجنود الذين سيختار هيغسيث إبقاءهم في أوروبا بل على المعيار الذي سيحكم هذا الاختيار.
فإذا بقيت المراجعة وسيلة لإعادة توزيع الاعباء مع الحفاظ على قدرات الردع والتماسك السياسي فقد تخرج أوروبا بحلف أكثر توازنا ومسؤولية.
_2846_081513.jpg)
أما إذا تحولت القواعد والحماية الامريكية إلى مكافأة للدول الاكثر توافقا مع ترمب فقد يبقى الدفاع المشترك قائما على الورق بينما يتحول عمليا إلى ضمان متفاوت تحدده درجة الولاء لواشنطن بقدر ما تحدده مقتضيات الامن الجماعي.
_2846_081558.jpg)
- الاختبار الحقيقي دفاع جماعي أم حماية على قدر الولاء
- تقليص القوات التقليدية قد يضعف الردع النووي
- تحذير من معاقبة الحلفاء الاقرب لواشنطن
- المال وحده لا يعوض القدرات الامريكية
- الناتو 30 أوروبا تتولى الدفاع وامريكا تحتفظ بالمظلة النووية
- المادة الخامسة باقية ولكن السؤال عن المصداقية
- الحماية الامريكية تتحول إلى علاقة مشروطة
- اختبار واشنطن يتجاوز حجم الانفاق
- تقليص القوات بدأ قبل انتهاء المراجعة
- أربعة سيناريوهات لمستقبل 80 ألف جندي امريكي
- واشنطن لا تنسحب من الناتو ولكنها تعيد رسم العلاقة


جوجل نيوز
واتس اب