رئيس التحرير
محمود سعد الدين
البريد_المصري
الرئيسية حالا القائمة البحث

د.مي مصطفى تكتب.. صناعة التفاهة الإعلامية.. من المسؤول؟.. من يزرعها ومن يحصدها؟

د. مي مصطفى
د. مي مصطفى

لم تعد التفاهة الإعلامية مجرد ظاهرة هامشية في مشهد مزدحم ، بل صارت صناعة كاملة لها منتجون ومستهلكون وموزعون ، نحن أمام واقع غريب: كل ما هو سطحي وسريع ومثير يجد طريقه إلى الصدارة، بينما يتراجع ما هو جاد وعميق ومفيد إلى الهامش ، صناعة التفاهة أصبحت نمطًا متكررًا في كثير من المنصات التي تُقدَّم فيها الضوضاء على المعرفة، والإثارة على الفكرة، والانتشار على القيمة. ومع اتساع تأثير المنصات الرقمية ، صار السؤال المشروع: من يصنع هذه التفاهة؟ هل هو الجمهور الذي يطلبها، أم المؤسسات التي تنتجها، أم مواقع التواصل التي تضخمها؟ ولماذا تنتشر تلك التفاهات؟ ولماذا أصبحت بمثابة “النجمة” الأكثر بروزا ولمعانا  على الفضاء الإعلامي.

المسؤولية ببساطة، لا تقع على طرف واحد.. نعم، المؤسسات الإعلامية تتحمل قسطًا كبيرًا من اللوم حين ترهن محتواها بمنطق الأرباح السريعة وتُقصي المعايير المهنية لصالح ما يجذب النقرات والمشاهدات ، فبدل أن تسأل: ماذا يفيد الناس؟ تبدأ بالسؤال: ماذا يجذبهم؟ وهنا يبدأ الانحدار، لأن الجاذبية حين تنفصل عن القيمة تتحول إلى استدراج رخيص للانتباه ..لا إلى إعلام حقيقي حتى لو كان المضمون المُقدم فارغًا من المعنى. كما أن بعض صانعي المحتوى يستثمرون في الاستفزاز والسطحية لأن ذلك يضمن لهم الظهور والانتشار داخل اقتصاد الانتباه.

لكن الجمهورلم يكن بريئا هو الآخر ، فالمستخدم الذي يتابع، ويشارك، ويُعجب ، ويعيد النشر، ويكافئ المحتوى التافه بالتفاعل الواسع، يساهم عمليًا في إدامة تغذية هذه الصناعة ويتم ذلك أحيانًا بوعي وأحيانًا بلا وعي وقد أشارت بعض الكتابات إلى أن تفضيلات المتلقين وسلوكهم الرقمي جزء أساسي من تحديد ما ينتشر وما يختفي، لأن المنصات تعكس ما يحظى بالاهتمام أكثر مما تعكس ما هو مفيد بالضرورة ، بيع الضجيج أصبح أكثر أهمية  بدلا من المعلومة، هي رسالة واضحة للمحتوى الرديء: استمر. نحن لا نشتكي من التفاهة ثم نمنحها وقتنا واهتمامنا وكأننا نكافئها على جرأتها.

أما مواقع التواصل الاجتماعي فهي المسرح الأكبر لهذا كله ، هى لا تخلق التفاهة من العدم، لكنها تمنحها بيئة مثالية للانتشار قخوارزميات المنصات لا تسأل عن القيمة، بل عن التفاعل السهل والسريع والمثير لأن هذا النوع من المشاركات يحقق تفاعلًا أعلى ويطيل زمن البقاء داخل المنصة لذلك ترتفع أصوات الضوضاء بسرعة، بينما يظل الصوت العاقل بحاجة إلى جهد كي يُسمع. 
يمكن فهم التفاهة الإعلامية بوصفها نتيجة لعدة عوامل متداخلة. أولها التحول من إعلام الرسالة إلى إعلام السوق، حيث أصبح النجاح يُقاس بعدد المشاهدات لا بعمق الأثر. وثانيها ضعف التربية الإعلامية لدى بعض الجمهور، ما يجعل التمييز بين المهم والهامشي أكثر صعوبة. وثالثها ضغط المنافسة الرقمية الذي يدفع كثيرًا من المؤسسات إلى تبسيط مخل أو إثارة مفتعلة لجذب الانتباه.

الأخطر أن التفاهة لم تعد تقدم نفسها بوصفها تفاهة ، إنها تتخفى في صورة “الترفيه”، و”الخفة”، و”المحتوى السريع”، و”الترند” ،لكنها في جوهرها تفرغ المجال العام من المعنى، وتدرب الناس على الاستهلاك السطحي، وتضعف حس السؤال والنقد ، وحين يصبح الضحك أسرع من التفكير، فإن المشكلة لا تكون في مادة بعينها، بل في مناخ كامل يعيد تشكيل الذوق العام والوعي الجماعي.

كما أن تراجع الثقة في بعض الوسائل التقليدية ساهم في انتقال الجمهور إلى المنصات الاجتماعية، حيث تختلط الأخبار بالترفيه، والتحليل بالتهريج، والخبر بالمؤثر ، وهذا المناخ يجعل التفاهة أكثر قدرة على التسلل إلى الوعي العام، لأنها تتخفى أحيانًا في شكل تسلية أو “محتوى خفيف.

ومع ذلك فالمواجهة ممكنة...تبدأ من المؤسسات التي يجب أن تستعيد احترامها لعقل الجمهور، ومن الإعلامي الذي عليه أن يتذكر أن مهمته ليست إرضاء الخوارزمية بل خدمة الحقيقة ، وليس هناك مانعا من أن يحاول جاهدا الجمع بين الهدفين ،  وتبدأ أيضًا من المواطن الذي لم يعد متلقيًا بريئًا، بل صار شريكًا في تشكيل ما ينتشر وما يختفي .. أعزائي .. من يرفض التفاهة لا يكتفي بانتقادها، بل يمتنع عن تمويلها باهتمامه

المخرج الحقيقي يبدأ من الاعتراف بأن المشكلة منظومية .. الإعلاميون مسؤولون عن احترام المعايير المهنية، والمؤسسات مسؤولة عن سياسات التحرير والتمويل، والمنصات مسؤولة عن تصميم خوارزمياتها وسياساتها، والجمهور مسؤول عن اختياراته وسلوكاته الرقمية ، وإذا اختلّ أحد هذه الأضلاع اتسع المجال أمام المحتوى الرديء ليصبح هو الأساس بدلا من كونه ثانوي.

ومن هنا، فإن مواجهة صناعة التفاهة لا تكون بالشكوى منها فقط، بل ببناء بدائل: تعليم إعلامي أفضل، وتربية نقدية للجمهور، وتشريعات تضبط الشفافية الخوارزمية، ومؤسسات تؤمن بأن القيمة ليست نقيض الجاذبية، بل يمكن أن تكون أكثر جاذبية عندما يتم تقديمها بأساليب ذكية وجذابة .

إن أخطر ما في صناعة التفاهة أنها لا تقتحم الوعي بالقوة، بل تدخل إليه مبتسمة ومزينة ومسلية. لهذا تبدو سهلة الهضم  لكنها ثقيلة الأثر يا عزيزي وإذا لم ننتبه، سنكتشف يومًا أن الضجيج أصبح هو الأصل، وأن المعنى صار استثناءً.

تم نسخ الرابط