رئيس التحرير
محمود سعد الدين
البريد_المصري
الرئيسية حالا القائمة البحث

لم ينتظر التقارير.. كان أول الواصلين وآخر المغادرين.. حكاية اللواء محمد الشربيني مع النيران

 اللواء محمد الشربيني
اللواء محمد الشربيني

لم يكن اللواء الدكتور محمد الشربيني، مدير الإدارة العامة للحماية المدنية بالقاهرة، من القيادات التي تكتفي بإصدار التعليمات من غرف العمليات.

 فمنذ سنوات، اعتاد أن يكون حاضرًا في أخطر البلاغات، يتابع بنفسه سير عمليات الإطفاء والإنقاذ، ويقف وسط ضباطه وأفراده حتى انتهاء المهمة.

 وفي حريق منشأة ناصر، كانت تلك العادة هي آخر ما فعله قبل أن يرتقي شهيدًا أثناء أداء واجبه.

فجر الثلاثاء، تلقت الأجهزة الأمنية بلاغًا بنشوب حريق هائل داخل مخزن وورشة للأخشاب بمنطقة منشأة ناصر، وسرعان ما امتدت ألسنة اللهب إلى العقارات المجاورة، في ظل وجود كميات كبيرة من المواد سريعة الاشتعال، لتتحول المنطقة إلى كتلة من النيران، وسط سباق مع الزمن لمنع امتداد الحريق وإنقاذ السكان.

ومع وصول قوات الحماية المدنية، كان اللواء محمد الشربيني في مقدمة القوة، يتابع توزيع سيارات الإطفاء، ويشرف على أعمال الإنقاذ، ويطمئن على خروج الأهالي من المنازل المهددة، بينما واصل رجاله التعامل مع النيران التي ازدادت ضراوة مع انهيار أجزاء من أحد العقارات المتضررة.

وخلال عمليات الإطفاء، أصيب اللواء الشربيني بإصابات بالغة إثر انهيار أجزاء من العقار، كما استشهد النقيب عبدالرحمن العدوي وأمينا شرطة أثناء مشاركتهم في عمليات الإنقاذ، في مشهد جسد حجم التضحيات التي يقدمها رجال الحماية المدنية في سبيل إنقاذ أرواح المواطنين.

ونُقل مدير الحماية المدنية بالقاهرة إلى المستشفى لتلقي العلاج، وظل الأمل قائمًا في تعافيه، إلا أن حالته الصحية تدهورت خلال الساعات التالية، حتى أُعلن صباح اليوم الأربعاء استشهاده متأثرًا بإصابته، بعد نحو 24 ساعة من الحادث، ليلحق بزملائه الذين سقطوا في موقع البلاغ نفسه.

ورغم أن خبر استشهاده كان صادمًا، فإن من عرفوا اللواء محمد الشربيني يؤكدون أن وجوده في الصفوف الأولى لم يكن استثناءً، بل كان نهجًا التزم به طوال سنوات خدمته. فقد اعتاد الإشراف الميداني المباشر على البلاغات الكبرى، مؤمنًا بأن القائد الحقيقي يكون بين رجاله في أصعب اللحظات، لا بعيدًا عنهم.

وتعيد واقعة منشأة ناصر إلى الأذهان حجم المخاطر التي تواجه رجال الحماية المدنية يوميًا ففي الوقت الذي ينشغل فيه الجميع بالنجاة من النيران، يكون هؤلاء الرجال في الاتجاه المعاكس، يقتربون من الخطر لإنقاذ الأرواح وحماية الممتلكات، مدركين أن كل دقيقة تأخير قد تعني فقدان حياة إنسان.

ورحل اللواء الدكتور محمد الشربيني تاركًا وراءه سيرة مهنية ارتبطت بالعمل الميداني والانضباط والإخلاص، لتنتهي رحلته بالطريقة نفسها التي عاش بها؛ وسط رجاله، وفي قلب النيران، وهو يؤدي واجبه حتى اللحظة الأخيرة.
 

تم نسخ الرابط