"خيال الظل” يواصل رحلته باختياره للمشاركة في مهرجان Ischia Global Film & Music Festival بإيطاليا
في إنجاز جديد يضاف إلى مسيرته الفنية، تم اختيار الفيلم القصير “خيال الظل” للمشاركة الرسمية في الدورة الرابعة والعشرين من مهرجان Ischia Global Film & Music Festival، أحد أبرز المهرجانات السينمائية والموسيقية الدولية، والذي يقام في جزيرة إسكيا الإيطالية خلال الفترة من 12 إلى 19 يوليو 2026.
يمثل هذا الاختيار محطة مهمة في رحلة الفيلم، الذي أُنتج ضمن ورشة الأفلام القصيرة التابعة لـ النهضة جزويت القاهرة، بقيادة المخرج كريم مكاوى وبالتعاون مع ترسو فيلم، في تجربة فنية تسعى إلى تقديم حكايات إنسانية بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل أبعادًا اجتماعية ونفسية عميقة تمس الواقع اليومي للعديد من الأسر.
الحكاية.. عندما يصبح الطفل شاهدًا على عالم الكبار
ينطلق “خيال الظل” من مساحة تبدو مألوفة للكثيرين؛ منزل يعيش داخله طفل صغير يجد نفسه عالقًا في قلب صراع زوجي مستمر بين والديه. وبينما ينشغل الكبار بخلافاتهم ومشكلاتهم الخاصة، يبقى الطفل الطرف الأكثر تأثرًا والأقل قدرة على التعبير عن ألمه.
في إحدى لحظات التوتر الحاد، يترك الطفل المنزل حاملاً معه رسمة بسيطة تعبّر عن عالمه الداخلي، وعن حلمه الوحيد بأن يرى أسرته متماسكة وسعيدة. تلك الرسمة ليست مجرد ورقة يحملها طفل، بل تمثل رمزًا لعالم كامل من الأحلام والرغبات التي يحاول التمسك بها في مواجهة واقع يتفكك أمام عينيه.
وخارج المنزل، يلتقي الطفل بأحد جيرانه، رجل يجوب الشوارع حاملاً “صندوق الدنيا” ويقدم عروض خيال الظل للأطفال. يبدو الرجل في البداية وكأنه صانع للفرح، شخص قادر على منح الآخرين لحظات من الدهشة والابتسام، فيجتمع حوله الأطفال منجذبين إلى عالمه الساحر.
لكن الفيلم لا يكتفي بهذا المستوى الظاهري من الحكاية، بل يبدأ تدريجيًا في الكشف عن الوجه الآخر للشخصية، حيث يتبين أن هذا الرجل الذي يمنح السعادة للآخرين يفتقدها في حياته الخاصة. فهو بدوره يعيش وسط ضغوط وصراعات أسرية وصوت مرتفع وتوتر دائم داخل منزله، ليصبح انعكاسًا آخر لمعاناة الطفل وإن اختلف العمر والتجربة.
المرآة الإنسانية بين الطفل وصاحب صندوق الدنيا
تتطور العلاقة بين الطفل والرجل لتصبح أكثر من مجرد لقاء عابر. فمع مرور الوقت يدرك المشاهد أن كل شخصية ترى جزءًا من ذاتها في الأخرى.
يرى الطفل في الرجل نموذجًا للطمأنينة والقدرة على صناعة الفرح، بينما يرى الرجل في الطفل صورته القديمة، وربما أحلامه التي تآكلت مع الزمن. ومن خلال هذا التوازي الإنساني، يطرح الفيلم سؤالاً عميقًا: هل يمكن لمن يمنح السعادة للآخرين أن يكون هو نفسه محرومًا منها؟
تنبع قوة الفيلم من إجابته غير المباشرة على هذا السؤال. فالرجل لا يملك حلولًا سحرية، لكنه يمنح الطفل شيئًا أكثر أهمية؛ يمنحه الاهتمام والإصغاء والوقت. وفي المقابل يمنح الطفل للرجل فرصة نادرة لاستعادة إنسانيته والتواصل مع الجزء الأكثر نقاءً داخله.
خيال الظل كرمز بصري وفلسفي
لا يقتصر عنوان الفيلم على الإشارة إلى فن خيال الظل بوصفه عنصرًا تراثيًا أو وسيلة للترفيه، بل يتحول إلى مفتاح لفهم العمل بأكمله.
فالشخصيات داخل الفيلم تعيش بين صورتين: الصورة التي يراها الناس، والصورة الحقيقية المختبئة خلفها. وكما أن خيال الظل يقدم أشكالًا تتحرك خلف ستار رقيق، فإن الشخصيات تخفي وراء ملامحها اليومية مشاعر معقدة من الوحدة والخوف والاحتياج.
ويبلغ هذا الرمز ذروته في المشهد الختامي، عندما يعود الطفل إلى منزله ليجد أن الصراع بين والديه لم ينتهِ. نرى الشجار هذه المرة من خلف الزجاج، فتتحول الأجساد والحركات إلى ظلال تشبه تمامًا ما شاهده الطفل في عرض خيال الظل.
غير أن الفارق الجوهري هنا أن ما يراه ليس عرضًا مسرحيًا ولا حكاية خيالية، بل واقعًا حقيقيًا يعيشه كل يوم. وبهذه المفارقة البصرية المؤلمة يطرح الفيلم فكرته الأساسية: أحيانًا يكون الواقع أكثر قسوة من الخيال، وتصبح الحياة نفسها مسرحًا للظلال التي تترك آثارها العميقة في أرواح الأطفال.
يناقش “خيال الظل” قضية اجتماعية وإنسانية بالغة الأهمية، وهي التأثير النفسي للخلافات الزوجية على الأطفال. فالفيلم لا يركز على أسباب الخلاف أو على إدانة أي طرف، بل يوجه عدسته نحو الطفل الذي يجد نفسه شاهدًا دائمًا على النزاعات، دون أن يمتلك القدرة على إيقافها أو حتى فهمها بشكل كامل.
ومن خلال لغة بصرية هادئة ومشحونة بالمشاعر، يكشف الفيلم كيف يمكن للصوت المرتفع، والتوتر المستمر، وانعدام الاستقرار الأسري أن يتركوا آثارًا طويلة المدى على تكوين الطفل النفسي والعاطفي.
يأتي “خيال الظل” امتدادًا للرؤية الفنية التي تتبناها ورش الأفلام القصيرة في النهضة جزويت القاهرة، والتي تهدف إلى دعم الأصوات السينمائية الجديدة وتقديم أعمال تحمل قيمة إنسانية وفنية حقيقية.
في النهاية، لا يقدم “خيال الظل” إجابات جاهزة بقدر ما يفتح مساحة للتأمل والتساؤل حول معنى السعادة، وأثر العلاقات الإنسانية في تشكيل حياتنا، وحول تلك الظلال الخفية التي نحملها جميعًا داخلنا، بينما نحاول الظهور أمام العالم بصورة أكثر إشراقًا مما نشعر به في الحقيقة.
إنه فيلم عن الأطفال الذين يحلمون بعالم أكثر دفئًا، وعن الكبار الذين يطاردون السعادة وهم يخفون هشاشتهم خلف أقنعة القوة، وعن تلك اللحظة النادرة التي يلتقي فيها شخصان من عالمين مختلفين ليكتشف كل منهما أن الآخر يحمل الوجع ذاته وإن اختلفت ملامحه.
التمثيل: ياسين مصطفى، علي أبو زيد
الإنتاج: عمروش بدر، كريم مكاوي
الفريق الإبداعي: فاطمة البارودي، محمد فتحي
المنتج المنفذ: محمد حسن
الأداء الصوتي: سلمى سعد حلمي، مي زويد، محمد فتحي، أحمد الكيال
مدير التصوير: محمد حسن
المونتاج: أحمد الكيال
تصحيح الألوان: يوسف صديق
مهندس الصوت: عمر العلوي
تصميم ومكساج الصوت: إسلام البستاوي
مديرو الإنتاج: أحمد علي المنشاوي، ماجد عطا
مساعدا الإخراج: سلوى أ. محمود، معاذ عدلي
تصميم صندوق الدمى: محمد كاتمش
الموسيقى: شادي فرنسيس
تصميم البوستر: محمود عبد المطلب


جوجل نيوز
واتس اب