أزمة ألبان الأطفال.. لماذا تأخرت دانون بسحب المنتجات من الأسواق؟| القصة كاملة
قبل نحو شهرين، أثار إعلان سحب عدد محدود من تشغيلات بعض منتجات حليب الأطفال حالة من الاهتمام بين أولياء الأمور، بعد أن اتخذت الجهات الرقابية إجراءات احترازية مرتبطة بسلامة أحد المكونات المستخدمة في عملية التصنيع.
وبحسب ما أعلنته هيئة سلامة الغذاء، جاء هذا التحرك في إطار منظومة المتابعة الدورية لمنتجات الأغذية المخصصة للأطفال، بهدف ضمان الالتزام الكامل بمعايير الجودة والسلامة الغذائية، خاصة في المنتجات الحساسة التي تمس صحة الفئات العمرية الصغيرة.
واعتمد القرار آنذاك على إخطار رسمي وإجراءات سحب طوعي من الشركة المنتجة، مع تأكيد استمرار التنسيق بين الشركة والجهات الرقابية لمتابعة الموقف واتخاذ ما يلزم من خطوات وقائية.

فجوة زمنية.. تأخر دانون في سحب المنتجات
بعد مرور أسابيع على التوجيه الأول بسحب عدة تشغيلات من منتجات ألبان الأطفال، تأخرت شركة دانون في تنفيذ عملية السحب الكامل للمنتجات من الأسواق، الأمر الذي دفع الهيئة القومية لسلامة الغذاء إلى توجيه تحذير جديد للشركة بضرورة استكمال الإجراءات بشكل عاجل حفاظًا على صحة الأطفال.
وفي أعقاب هذا التحذير، بدأت دانون على الفور سحب التشغيلات المتأثرة من الأسواق والمخازن، مؤكدة التزامها بتطبيق معايير السلامة الغذائية، كما أعلنت الشركة أنها ستعوض جميع المتضررين عن أي منتجات تم شراؤها ضمن التشغيلات محل السحب.
وأكدت الهيئة القومية لسلامة الغذاء أن هذا الإجراء يأتي في إطار تطبيق أعلى مستويات الحماية الاستباقية للمستهلكين، خاصة الأطفال، مشددة على ضرورة التحقق من أرقام التشغيلات والتوقف عن استخدام أي عبوة مطابقة لها حتى انتهاء إجراءات الاسترجاع.

هل يحتوي حليب الأطفال على مادة سامة؟
كشف الدكتور محفوظ رمزي، رئيس لجنة التصنيع الدوائي بنقابة الصيادلة، تفاصيل الأزمة الخاصة بوجود عبوات من ألبان الأطفال المستوردة تحتوي على مواد ملوثة، موضحًا أن المشكلة لا تتعلق بعملية تصنيع اللبن نفسها، وإنما بأحد الموردين العالميين لإحدى المواد المضافة.
وقال رمزي، في تصريحات تليفزيونية أعقبت أزمة نستله، إن المنتج مستورد من هولندا، وتم وقف جميع الشحنات الواردة من الشركة ذاتها ومنع دخولها إلى الموانئ المصرية فور اكتشاف الإخطار، مشيرًا إلى أن سبب التلوث يعود إلى بكتيريا تعرف باسم بكتيريا العصية الشمعية، والتي تفرز مادة سامة تسمى السيروليد.
وأوضح أن مصدر التلوث لم يكن اللبن الخام، وإنما مادة مضافة تُعرف باسم حمض الأراكيدونيك، وهي عنصر مهم لنمو دماغ الطفل، لافتًا إلى أن المورد العالمي لهذه المادة كان مصدر التلوث البكتيري.

مادة لا تموت بالغليان
وحذر رمزي من أن المادة السامة التي تفرزها هذه البكتيريا مقاومة للحرارة، ما يعني أن غلي الماء أو إعادة تعقيم المنتج لا يزيل تأثيرها السام، مشيرًا إلى أن الأعراض قد تظهر خلال فترة تتراوح بين نصف ساعة إلى أربع ساعات.
وأضاف أن الأعراض تشمل قيئًا شديدًا ومغصًا معويًا وإسهالًا وخمولًا مفاجئًا، مع خطر الإصابة بالجفاف، خاصة لدى الأطفال.
وطمأن أولياء الأمور بأن الأعراض غالبًا ما تختفي خلال 24 ساعة، موصيًا باستخدام محلول معالجة الجفاف فورًا، والتوجه إلى أقرب منشأة طبية في حال استمرار القيء أو تفاقم الحالة.
كما أشاد بسرعة استجابة الدولة المصرية، مؤكدًا أنها كانت من أوائل الدول التي تعاملت مع التحذير العالمي الذي شمل نحو 50 دولة، حيث أصدرت الجهات الرقابية بيانًا بأرقام التشغيلات المتأثرة وتم سحبها من الأسواق والصيدليات.
ودعا إلى تشديد الإجراءات الرقابية على ألبان الأطفال باعتبارها منتجات حساسة، ومعاملتها بنفس صرامة الأدوية، مع تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لضمان أعلى معايير الأمان.
وأكد في ختام تصريحاته أن السوق المصري أصبح آمنًا بعد تنفيذ إجراءات السحب، وأن الشركة العالمية قامت بتغيير المورد المسؤول عن المادة الملوثة، مع استمرار الرقابة على الموانئ لضمان عدم تكرار الواقعة.

خبير تغذية يوضح سبب الأزمة
من جانبه، قال الدكتور أحمد حسين الدسوقي، دكتوراه العلاج الطبيعي والتغذية، إن أزمة سحب بعض تشغيلات ألبان الأطفال المستوردة لا ترتبط بعملية تصنيع اللبن نفسها، وإنما تعود إلى خلل في أحد الموردين العالميين لإحدى المواد المضافة المستخدمة في التصنيع.
وأوضح في تصريحات خاصة لموقع «بصراحة الإخباري» أن التلوث كان مرتبطًا ببكتيريا تعرف باسم العصية الشمعية، والتي تفرز مادة سامة تسمى السيروليد، موضحًا أن مصدر المشكلة لم يكن اللبن الخام، وإنما مادة مضافة تستخدم لدعم النمو العصبي للطفل، وهي حمض الأراكيدونيك، وكان أحد مورديها مصدر العدوى.
تحذير مهم.. الغليان لا يقضي على السم
وحذر الدسوقي من أن هذه المادة السامة مقاومة للحرارة، ما يعني أن الغليان أو إعادة التحضير لا يزيل تأثيرها، مؤكدًا أن الأعراض قد تظهر خلال فترة قصيرة تتراوح بين 30 دقيقة إلى 4 ساعات.
وأشار إلى أن الأعراض تشمل قيئًا شديدًا ومغصًا وإسهالًا وخمولًا، مع احتمال حدوث جفاف لدى الأطفال.
ونصح باستخدام محلول معالجة الجفاف فور ظهور الأعراض، مع ضرورة التوجه إلى أقرب مستشفى حال استمرار القيء أو تدهور الحالة، مطمئنًا إلى أن الأعراض غالبًا ما تزول خلال 24 ساعة في معظم الحالات.
تساؤلات إعلامية.. لماذا تأخرت دانون؟
في السياق نفسه، قال الكاتب الصحفي خالد صلاح إنه يتابع منذ عدة أشهر ملف ألبان الأطفال، وكتب عبر صفحته على «فيسبوك»: «صحة الأطفال الرضع رهينة البطء في اتخاذ القرار، ماذا فعلت شركة دانون في أزمة حليب الأطفال؟ ولماذا لم تتحدث الشركة حتى الآن».
وأضاف أنه يتابع الملف منذ فترة، وانتقد قرار شركة نستله بسحب دفعات من منتجاتها بعد اكتشاف مشكلة محتملة في أحد المكونات، متسائلًا عن دور فرق الجودة في الشركات الكبرى وكيفية وصول المنتجات الفاسدة إلى الأسواق.
دعوة للتحقيق والشفافية
وأشار خالد صلاح إلى أن شركات أخرى بدأت لاحقًا بسحب منتجاتها، وعلى رأسها شركة دانون، مؤكدًا أن التأخر لأكثر من شهرين في سحب المنتجات بعد تحذيرات نستله يثير تساؤلات جدية حول سرعة استجابة الشركة لمشكلة حساسة تتعلق بحياة ملايين الأطفال الرضع.
وتساءل: «هل كانت دانون تعلم بالمشكلة منذ البداية؟ وإذا كانت تعلم، فلماذا لم تتحرك فورًا؟ ولماذا بقيت المنتجات في الأسواق بينما كانت التحذيرات قد بدأت بالفعل؟».
وأكد أن القضية تتعلق بالرضع، وهم الفئة الأكثر حساسية، مطالبًا شركة دانون وكافة المؤسسات المعنية بصحة المواطنين بالتحرك والإجابة على هذه التساؤلات.
كما دعا الصحف المصرية والعربية إلى التحقيق في المعلومات والتحقق من المسؤوليات، مع التركيز على كشف من كان يعلم بالمشكلة ومتى، ومن قرر الانتظار قبل سحب المنتجات ولماذا، مؤكدًا أن هذه الشفافية ضرورية لطمأنة الآباء والأمهات بشأن صحة أطفالهم.


جوجل نيوز
واتس اب