رئيس التحرير
محمود سعد الدين
البريد_المصري
الرئيسية حالا القائمة البحث

عصام عابدين يكتب: حين يصبح الوعي "ضرورة وطنية".. كيف يصنع السيسي “خطوطا حمراء” لحماية أطفال مصر؟

عصام عابدين
عصام عابدين

دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تشريع ينظّم ويقيد استخدام الأطفال للهواتف المحمولة، لا تستهدف إقصاء الطفل عن العالم الرقمي، بل تحصينه داخله. فبناء الحصن الرقمي قبل أن يكون قضية أمن قومي هو استثمار في الإنسان، وضمانة لحماية وعي الأجيال القادمة، في معركة لم يعد السلاح فيها بندقية، بل فكرة، ولم تعد ساحتها أرضًا، بل شاشة.

 منصات التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد نوافذ للترفيه أو مساحات للتعارف وتبادل الآراء، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى عالم موازٍ يفرض نفسه بقوة على حياة الملايين، وعلى رأسهم الأطفال. فبين تيك توك وفيسبوك وإنستجرام ويوتيوب، يقضي الصغار ساعات طويلة أمام الشاشات، يتلقّون محتوى متنوعًا، يصنع وعيهم، ويشكّل سلوكهم، ويترك أثرًا عميقًا على شخصياتهم، سلبًا كان أو إيجابًا.

معركة الوعي لم تعد خيارا 

هذا الواقع المتسارع دق ناقوس الخطر في مصر، وجاءت دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تشريع ينظّم ويقيّد استخدام الأطفال للهواتف المحمولة، لتبعث برسالة حاسمة مفادها أن معركة الوعي لم تعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة وطنية عاجلة. فالأمر لم يعد مجرد نقاش تربوي أو اجتماعي، وإنما قضية تتعلق بإنقاذ أجيال كاملة تُشكَّل عقولها اليوم خلف الشاشات، بعيدًا عن رقابة الأسرة ودور المدرسة.

تصريحات رئاسية وخطوط حمراء

الدعوة الرئاسية وضعت ملامح مشروع متكامل لبناء حصن رقمي و"خطوط حمراء” تحمي الطفل المصري من مخاطر خفية تتسلل إلى وعيه وأمنه النفسي والفكري، في عالم رقمي بات أكثر تأثيرًا من أي وسيلة تقليدية، وأكثر قدرة على إعادة تشكيل القيم والسلوكيات. وفي هذا السياق، لم يعد الحديث عن حماية الطفل منفصلًا عن مفهوم الأمن القومي المجتمعي.

الهدف الأساسي من هذا التوجه هو تقنين علاقة الطفل بالإنترنت، وبناء حصن يحمي وعيه في مرحلة عمرية شديدة الحساسية، حيث تُصاغ الأفكار وتُرسَّخ القناعات. فالشاشات اليوم لم تعد مجرد وسيلة ترفيه، بل منصات لصناعة الوعي، وأحيانًا لتوجيهه خارج إطار الأسرة والمدرسة والهوية الوطنية.

وتكمن الخطورة الحقيقية في أن الهواتف الذكية خرجت من كونها أدوات معرفة وتواصل إلى أدوات للتأثير على السلوك، تُعيد تشكيل الاهتمامات والرغبات وفق منطق المشاهدة والانتشار، دون اعتبار كافٍ للأثر النفسي أو التربوي. وفي هذه المعادلة، يبقى الأطفال الفئة الأكثر هشاشة والأقل قدرة على المقاومة.

من هنا، يسعى التشريع المرتقب إلى وضع “فرامل قانونية” تحدّ من سطوة السوشيال ميديا على العقول الصغيرة، وتقلّل من المخاطر المتزايدة للجرائم الإلكترونية، مثل الابتزاز والاستدراج عبر الإنترنت، كما يهدف إلى حماية خصوصية الأسرة المصرية، التي بات الأطفال بوابتها الأضعف للاختراق والتأثير.

التشريع لن يكون مجرد نص قانوني، بل غطاء إلزامي يُجبر الشركات العالمية العاملة في مجال التكنولوجيا على تفعيل أدوات الرقابة بصرامة داخل السوق المصري. أما المنصات التي تتجاهل هذه الالتزامات، فقد تجد نفسها أمام خسائر حقيقية، سواء على مستوى سوق الإعلانات أو العوائد الاقتصادية، في واحدة من أكبر الأسواق الرقمية بالمنطقة.

التشريع سياج حماية وليس أداة قيد

ورغم ذلك، يؤكد خبراء أن هذا التوجه لا يمكن اختزاله في فكرة المنع أو التقييد فقط. فالتشريع هو في جوهره “سياج حماية” لا قيدًا، لكنه لن يحقق أهدافه دون صحوة حقيقية من أولياء الأمور. فالهاتف المحمول، مهما تطورت تقنياته، لا يمكن أن يكون بديلًا عن دور الأب والأم في التربية والمتابعة وبناء القيم.

وتحويل هذه الدعوة الرئاسية إلى واقع فعّال يتطلب استراتيجية شاملة، تبدأ بإطار قانوني واضح وملزم، وتمر عبر حملات توعية رقمية واسعة، وصولًا إلى توفير بدائل رقمية آمنة تعزز الهوية الوطنية، وتخاطب الطفل بلغة العصر دون التفريط في القيم. كما يستلزم الأمر تضافر جهود مؤسسات الدولة، من مدارس وإعلام وصحافة، لتعليم الأطفال أسس الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا.

بات واضحًا أن الدولة المصرية تتعامل مع السوشيال ميديا بوصفها قضية أمن قومي لا تقل خطورة عن أي تحدٍ تقليدي. فالرهان الحقيقي ليس على منع التكنولوجيا، بل على تحصين العقول، وصناعة جيل قادر على استخدام أدوات العصر دون أن يقع أسيرًا لها، وفي عالم تتشابك فيه الفرص بالمخاطر، يبدو أن الحل الأقرب هو توازن ذكي يحمي الطفل، ويصون وعيه، دون أن يعزله عن مستقبله.

          
تم نسخ الرابط