معبد الأقصر..حكاية أثر شاهد علي عظمة الحضارة المصرية
في قلب مدينة الأقصر، وعلى ضفاف نهر النيل الخالد، يقف معبد الأقصر شامخًا منذ آلاف السنين، لا كأثر صامت من الماضي، بل كشاهد حي على عظمة حضارة استطاعت أن تخلّد رؤيتها وهويتها للعالم في حجر نقشته ، لتمنح الإنسانية واحدة من أعظم صفحات تاريخها.
لقد شُيّد معبد الأقصر خلال عصر الدولة الحديثة، وتحديدًا في عهد الملك أمنحتب الثالث في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، قبل أن يضيف إليه الملك رمسيس الثاني لمسات معمارية بارزة جعلت منه تحفة فنية متكاملة، ومركزًا روحيًا وسياسيًا بالغ الأهمية في مصر القديمة. ولم يكن المعبد مخصصًا للعبادة اليومية فقط، بل ارتبط بطقوس التجديد الملكي واحتفالات «عيد الأوبت»، التي كانت تُجسد العلاقة المقدسة بين الملك والآلهة.
ويختلف معبد الأقصر عن غيره من المعابد المصرية في تخطيطه المعماري، إذ لا يتبع المحور التقليدي الشرقي–الغربي، بل ينحرف قليلًا بما يتوافق مع مسار نهر النيل، في دلالة رمزية عميقة على ارتباط العقيدة المصرية بالطبيعة والكون. ويبدأ المعبد بصروح ضخمة تزينها نقوش بارزة تُجسد انتصارات رمسيس الثاني، ومشاهد القرابين والطقوس الدينية، تعلوها الكتابات الهيروغليفية التي ما زالت تحكي قصص القوة والقداسة.
وعند الدخول إلى فناء رمسيس الثاني، يشعر الزائر بعظمة المكان وهيبة التصميم، حيث تصطف التماثيل العملاقة والأعمدة المزخرفة في انسجام هندسي يبرز مدى التقدم الذي وصل إليه المصري القديم في فنون العمارة والنحت. وتأتي قاعة الأعمدة الكبرى لتؤكد هذا التفوق، بأعمدتها الضخمة التي تحمل نقوشًا دقيقة، لا تكتفي بالجمال البصري، بل توثق مفاهيم دينية وفلسفية عميقة حول الخلق والنظام الكوني.
كما يضم المعبد قدس الأقداس، الذي خُصص لعبادة ثالوث طيبة المقدس: آمون وموت وخونسو، حيث كانت تُقام الطقوس الأهم خلال مواسم الاحتفالات الدينية، ويُحمل تمثال الإله آمون في موكب مهيب عبر طريق الكباش، وصولًا إلى معبد الكرنك، في واحدة من أروع المشاهد الاحتفالية في تاريخ الحضارات القديمة.
وعبر العصور، لم يفقد معبد الأقصر قدسيته أو مكانته، بل احتضن حضارات متعاقبة تركت بصمتها داخله، من العصر الروماني قديما وحتى العصر الإسلامي حديثا ، وليست هناك دلالة علي ذلك أعظم من وجود مسجد سيدي أبو الحجاج الأقصري داخل فناء المعبد، في مشهد فريد يعكس التعايش الحضاري واحترام قدسية المكان، ويجعل من معبد الأقصر نموذجًا حيًا لتراكم الحضارات وتوافقها لا صراعها.
هذا ويُدرج معبد الأقصر ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو، ويُعد أحد أعمدة المشهد السياحي والثقافي في مصر، حيث يحظى باهتمام كبير من الدولة المصرية للحفاظ عليه وتطوير المنطقة المحيطة به، ضمن رؤية شاملة تهدف إلى صون التراث وتعظيم الاستفادة الثقافية والسياحية منه.
ولا يقتصر دور معبد الأقصر على كونه مقصدًا سياحيًا، بل يمثل مدرسة مفتوحة لفهم التاريخ والهوية، ومرآة تعكس قدرة المصري القديم على تحويل العقيدة والفكر والفن إلى رسالة خالدة. ومع كل شروق شمس على أعمدته، وكل ضوء ينساب بين جدرانه ليلًا، يواصل معبد الأقصر أداء دوره الأبدي حيث يذكّر العالم بأن الحضارة الحقيقية لا تموت، بل تظل حيّة ما بقي الإنسان قادرًا على مطالعتها .
لذلك كانت و ستزال الأقصر أكبر متحف مفتوح في العالم حارسا للتاريخ حافظا للحضارة شاهدا علي عظمة الإنسان المصري القديم.


جوجل نيوز
واتس اب