رئيس التحرير
محمود سعد الدين
البريد_المصري
الرئيسية حالا القائمة البحث

عمرو الليثي : الإعلان والإعلام والدراما: من يقود من؟

عمرو الليثي
عمرو الليثي

أكد الإعلامي د. عمرو الليثي ان المشهد الإعلامى العربى يشهد فى السنوات الأخيرة تحوّلًا واضحًا فى العلاقة بين الإعلان والدراما، تحوّلٌ يثير تساؤلات جوهرية حول من يقود من: هل تقود الدراما الإعلان، أم أصبح الإعلان هو المتحكم الفعلى فى شكل ومضمون العمل الدرامى؟ هذا السؤال لم يعد نظريًا، بل صار ملموسًا فى تجارب مشاهدة يتحول فيها المسلسل من عمل فنى يتخلله إعلان، إلى كتلة إعلانية ضخمة يتخللها عمل درامى على استحياء.


وأضاف الليثي في تصريحات صحفية خاصة ان الإعلان فى جوهره ضرورة اقتصادية لا يمكن إنكارها. فالإنتاج الدرامى عمل مكلف، يحتاج إلى تمويل ضخم، والإعلان هو الشريان الذى يمد الصناعة بالحياة. لكن الإشكالية لا تكمن فى وجود الإعلان، بل فى هيمنته. عندما يصبح المعلن شريكًا متدخلًا فى المحتوى، لا داعمًا له، تبدأ المعادلة فى الاختلال. هنا يفقد العمل الدرامى استقلاله، ويتحوّل النص إلى مساحة قابلة للتفصيل على مقاس العلامات التجارية، لا على مقاس الفكرة أو الرؤية الفنية.

‎السؤال الأخطر: هل يجب على منتجى الدراما الانحياز للمعلنين حتى يفوزوا بإعلاناتهم؟ الواقع يقول إن بعضهم يفعل، لكن المنطق المهنى والفنى يقول إن هذا الانحياز الكامل خسارة على المدى البعيد. فالعمل الذى يُكتب ويُخرج ويُمنتج لإرضاء المعلن أولًا، غالبًا ما يفقد روحه، ومع فقدان الروح يفقد الجمهور، ومع فقدان الجمهور يفقد المعلن نفسه القيمة الحقيقية التى يبحث عنها: التأثير.

‎الإعلان الذكى لا يحتاج إلى خنق الدراما، بل إلى احتضانها. الجمهور لا يرفض الإعلان، لكنه يرفض الشعور بأنه مُستَخدَم. حين تُزرع العلامة التجارية داخل سياق درامى ذكى ومحترم، تصبح جزءًا من التجربة، لا عبئًا عليها. أما حين تتكاثر الفواصل، وتُطوَّل المشاهد بلا داعٍ، وتُفصَّل الحوارات لخدمة منتج أو خدمة، يتحول المشاهد من متلقٍ إلى ضحية، ويصبح الانصراف هو رد الفعل الطبيعى.

‎ومن هنا نصل إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: ما مواصفات منتج الدراما؟ هل يجب أن يكون رجل إعلانات أم رجل دارس دراما وصاحب فكر؟ الحقيقة أن الخطر الحقيقى يكمن فى اختزال المنتج فى كونه «رجل إعلانات». فالإعلان أداة، وليس هوية. المنتج الناجح يجب أن يكون أولًا رجل دراما: يفهم النص، ويحترم الكاتب، ويقدّر المخرج، ويعى ذائقة الجمهور، ويملك رؤية فكرية وثقافية. ثم بعد ذلك، يجب أن يكون واعيًا بعالم الإعلان، لا خاضعًا له.

‎منتج الدراما الحقيقى هو من يوازن بين الفن والاقتصاد، بين الإبداع والاستدامة. هو من يعرف متى يقول “نعم” للمعلن، ومتى يملك شجاعة قول «لا» دفاعًا عن العمل. فالتاريخ لا يخلّد الإعلانات، لكنه يخلّد الأعمال التى احترمت عقل ووجدان جمهورها.
‎فى النهاية، الدراما التى تحترم نفسها تفرض قيمتها على المعلن، لا العكس. وعندما تُدار الصناعة بهذا الوعى، يصبح الإعلان شريك نجاح، لا سبب سقوط.

          
تم نسخ الرابط