رئيس التحرير
محمود سعد الدين
البريد_المصري
الرئيسية حالا القائمة البحث

عمرو الليثي : السينما فى جوهرها حوار بين صانع ومشاهد

عمرو الليثي
عمرو الليثي

أكد الإعلامي د. عمرو الليثي في تصريحات صحفية خاصة ان " الجمهور عايز كده» جملة سحرية طالما استُخدمت فى تبرير اختيارات فنية كسولة، أو فى تمرير محتوى يراهن على الإثارة السهلة بدل المعنى. ومع تكرارها تحولت من توصيف مزعوم لذائقة المشاهد إلى وصاية عليه، وكأن الجمهور كيان واحد بسيط، لا يتغير ولا يفكر، ولا يطلب إلا الضحك السريع والنكت الجريئة والإيحاءات الجنسية.

وأضاف فى السنوات الأخيرة، ظهرت موجة من الأفلام تعتمد بشكل أساسى على الألفاظ الخارجة والإفيهات الفجة، بزعم أن الشباب — الذين يُقال إنهم يمثلون نحو ٦٠٪ من جمهور السينما — «عايزين كده». لكن السؤال الحقيقى: هل الشباب فعلًا لا يريدون سوى هذا؟ أم أن ما يُقدَّم لهم هو ما يُفترض أنهم يريدونه، فى غياب بدائل حقيقية؟

وتابع .. الشباب، مثل أى فئة أخرى، ليسوا كتلة صماء. فيهم من يبحث عن الترفيه الخفيف، نعم، لكن فيهم أيضًا من يريد قصة تشبهه، وسينما تعبر عن قلقه وأسئلته وطموحه وتناقضاته. يريدون فيلمًا يحترم ذكاءهم، لا يغازل غرائزهم فقط. يريدون ضحكًا نابعًا من الموقف، لا من الكلمة الصادمة، وجرأة فى الفكرة لا فجاجة فى التعبير.

المفارقة أن تاريخ السينما المصرية نفسها يكذب مقولة «الجمهور عايز كده» بمعناها السطحى. السينما الواقعية التى قدمها صلاح أبو سيف، وعاطف الطيب، ويوسف شاهين، لم تكن سهلة ولا مريحة، لكنها كانت صادقة. ناقشت الفقر، والسلطة، والقهر، والهوية، والأسئلة الكبرى للإنسان، وقدمت شخصيات معقدة تشبه البشر الحقيقيين. ورغم ذلك، وجدت جمهورها، وحققت حضورًا وتأثيرًا ممتدًا حتى اليوم.

وهنا تبرز نقطة شديدة الأهمية: نجاح الأفلام لا يُقاس بشباك التذاكر وحده، ولا بعدد الملايين التى تحققها فى أسابيع العرض الأولى. شباك التذاكر مؤشر اقتصادى لا أكثر، لكنه ليس مقياسًا فنيًا أو ثقافيًا. هناك أفلام حطمت الأرقام ثم اختفت سريعًا من الذاكرة، وأخرى لم تُحقق إيرادات ضخمة وقت عرضها، لكنها عاشت طويلًا فى وجدان الناس، وصارت علامات فى تاريخ السينما.

النجاح الحقيقى يُقاس بالاستمرارية، وبقدرة الفيلم على أن يُشاهَد بعد سنوات ويظل صالحًا للنقاش، وبمدى صدقه وتأثيره، وبما يضيفه للوعى الجمعى لا لأرقام الموسم فقط. يُقاس أيضًا بمدى احترامه لعقل جمهوره، وبقدرته على طرح أسئلة لا تقديم إجابات سهلة. السينما ليست سباقًا محاسبيًا، بل فعلا ثقافيا وفنيا، وإذا اختُزلت قيمتها فى الإيرادات وحدها، خسرنا الفن، وخسر الجمهور نفسه، حتى لو بدت الأرقام مزدهرة على الورق.
المشكلة إذن ليست فى وجود أفلام خفيفة أو كوميدية، فالتنوع مطلوب وصحى، بل فى تحوّل هذا النوع إلى القاعدة شبه الوحيدة، وفى غياب مشروع فنى يرى فى السينما أكثر من «منتج سريع الاستهلاك». عندما يُحاصَر الجمهور بنمط واحد، يصبح الحكم على ذائقته حكمًا زائفًا.

«الجمهور مش عايز كده» بالضرورة، لكنه قد يذهب إلى ما هو متاح. وما إن يُقدَّم له عمل صادق، محكم، وجرىء بذكاء، حتى يثبت مرة أخرى أن المشكلة لم تكن فيه، بل فيما افترضه البعض عنه. السينما، فى جوهرها، حوار بين صانع ومشاهد، وإذا فسد هذا الحوار، فالذنب لا يقع على من يجلس فى الظلام، بل على من اختار ماذا يُعرض على الشاشة.

          
تم نسخ الرابط