"ابن ديروط" يخطف الأنظار في الأقصر.. رئيس الوزراء يُصفق لـ "كتيبة صفوت جارح".. ورحلة كفاح من "الحوطا" لـ "وكيل وزارة"

في ليلة ساحرة من مساء السبت الماضي، الموافق 3 يناير 2026، على ضفاف النيل الخالد، وتحديدًا فوق خشبة المسرح الروماني المكشوف بالبر الغربي لمدينة الأقصر، لم يكن الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، يتابع مجرد عرض مدرسي عابر، بل كان يشاهد "لوحة فنية متكاملة" صاغتها عقول خبيرة وأيادٍ محترفة. وحينما ضج المسرح بتصفيق رئيس الحكومة ومرافقيه إعجابًا بالمواهب الطلابية الفذة، كانت الأنظار تتجه صوب "المايسترو" الذي يقف خلف الكواليس، الرجل الذي قاد منظومة التعليم في عاصمة السياحة العالمية بكل اقتدار.. إنه ابن محافظة أسيوط البار، وابن مركز ديروط، الدكتور "صفوت جارح عبد العظيم".
*ليلة الإبهار في حضرة رئيس الحكومة*
البداية كانت من الجولة الموسعة التي أجراها الدكتور مصطفى مدبولي في ختام زيارته لمحافظة الأقصر، حيث تفقد أعمال التطوير الهائلة بكورنيش النيل. وهناك، استمع لشرح مفصل حول الممشى الزجاجي الجديد، والـ 21 بازارًا سياحيًا، والمطاعم العائمة التي تزين النيل، في مشهد يعكس "الهوية البصرية" لمصر الحديثة.
ولكن، "الكرزة" التي زينت كعكة الزيارة كانت في المحطة الأخيرة بالمسرح الروماني. هناك، استعرضت مديرية التربية والتعليم بالأقصر "عضلاتها الفنية"، حيث قدم طلاب المدارس عروضًا للفنون الشعبية والفلكلورية خطفت القلوب، وعروضًا منضبطة لفرق الكشافة تعكس التربية العسكرية والوطنية، فيما ألقت إحدى الزهرات قصائد شعرية جعلت رئيس الوزراء يبتسم إعجابًا بمستوى الفصاحة والإلقاء.
لم يخفِ "مدبولي" انبهاره، فأشاد علنًا بالمجهود الجبار المبذول مع هؤلاء الطلاب، وحرص على التقاط الصور التذكارية معهم، موجهًا التحية لقيادات التعليم بالمحافظة. تلك التحية كانت بمثابة "وسام استحقاق" على صدر الدكتور "صفوت جارح"، وكيل الوزارة، الذي أثبت أن "الصعايدة" قادرون على الإدارة والإبداع في أصعب المواقع.
*"صفوت جارح".. حكاية بدأت من "السبورة والطباشيرة"*
من يرى "صفوت جارح" اليوم وهو يستقبل كبار رجال الدولة، قد لا يعرف أن وراء هذه الكاريزما القيادية رحلة شاقة بدأت قبل أكثر من 35 عامًا في ريف أسيوط.
الحكاية بدأت عام 1989، حينما وقف الشاب "صفوت" لأول مرة كمعلم للغة العربية داخل فصول المدرسة الإعدادية بقرية "الحوطا الشرقية" بمركز ديروط. ثلاث سنوات قضاها هناك يغرس حب "لغة الضاد" في نفوس التلاميذ حتى عام 1992.
ولأنه يمتلك جلدًا وصبرًا لا ينفد، انتقل بعدها لمحطة أطول وأكثر تأثيرًا بمدرسة الدكتور "عبد الرحمن علي سليمان" الثانوية بنزلة عبد اللاه. هناك، وعلى مدار 10 سنوات كاملة (من 1992 وحتى 2002)، تخرجت من تحت يده أجيال من الأطباء والمهندسين، عُرف بينهم بالمعلم الصارم والمحبوب في آن واحد.
*من "الفصل" إلى "كرسي الإدارة".. الصعود المستحق*
لم تتوقف طموحات "ابن ديروط" عند حدود الفصل الدراسي. ففي عام 2002، انتقل لمدرسة "يحيى كيلاني" الثانوية بنات، حيث قضى 11 عامًا أخرى من العطاء حتى 2013. وهنا بدأت موهبته الإدارية تفرض نفسها، ليتم اختياره رئيسًا لقسم التعليم الثانوي بإدارة ديروط التعليمية، وهو المنصب الذي أهله ليدير المنظومة الأكبر، فيصبح مديرًا لإدارة القوصية التعليمية في الفترة من 2015 لـ 2016.
كانت محافظة أسيوط قد ضاقت بطموحاته، فجاء قرار تصعيده ليعبر الحدود الجغرافية، متوليًا منصب وكيل مديرية التربية والتعليم بمحافظة المنيا لمدة 6 سنوات متصلة (من 2016 وحتى 2022)، وهي الفترة التي صقلت خبراته وجعلته "خبيرًا استراتيجيًا" في إدارة الأزمات التعليمية.
*في "الأقصر".. القمة تتسع للمجتهدين*
في عام 2022، حط الرحال في أقصى الجنوب، وكيلًا لمديرية التعليم بالأقصر. ولم يمر وقت طويل حتى أدركت الوزارة أنها أمام "عملة نادرة"، ليصدر القرار المستحق في 2024 بتعيينه وكيلًا للوزارة (مديرًا للمديرية)، ليصبح الرجل الأول المسؤول عن تعليم الأقصر.
ولأن "العلم لا يتوقف"، لم يكتفِ "جارح" بالمناصب، بل حصن نفسه أكاديميًا؛ فهو حاصل على الماجستير في "أصول التربية"، ويضع حاليًا لمساته الأخيرة على رسالة الدكتوراه في "فلسفة التربية"، بالإضافة لكونه مراجعًا خارجيًا معتمدًا بالهيئة القومية لضمان جودة التعليم.
*رسالة فخر من "ديروط"*
ما حدث السبت الماضي أمام رئيس الوزراء ليس مجرد نجاح لفعالية، بل هو تتويج لمسيرة رجل بدأ من "الحوطا" و"نزلة عبد اللاه"، ليقف اليوم قائدًا في "مدينة المائة باب". إنها رسالة لكل معلم مجتهد في قرى الصعيد: "اعمل بصمت، وسيأتي اليوم الذي يصفق لك فيه الجميع".. تمامًا كما فعل "صفوت جارح".








جوجل نيوز
واتس اب