رئيس التحرير
محمود سعد الدين
البريد_المصري
الرئيسية حالا القائمة البحث

لأول مرة في تاريخ "منشية المعصرة".. "بنت الشيخ حمادة" ترتدي "البالطو الأبيض" وتُسجل اسمها كأول طبيبة بشرية بالقرية

دكتور "تسنيم بدير" أثناء حفل تخرجها
دكتور "تسنيم بدير" أثناء حفل تخرجها

لم يكن يوم الأربعاء، الموافق 31 ديسمبر، مجرد ورقة سقطت من رزمانة عام 2025 في جامعة أسيوط، بل كان يومًا للتاريخ، يومًا تحولت فيه "دموع التعب" إلى "لآلئ فرح" تزين وجوه 850 أسرة مصرية. فبينما كانت الزغاريد تشق سماء الحرم الجامعي احتفالًا بانتهاء ماراثون امتحانات الدفعة 61 طب بشري، كانت هناك "زغرودة" مختلفة لها طعم الانتصار الخاص، انطلقت من قلب قرية "منشية المعصرة" بمركز الفتح، لتعلن ميلاد عهد جديد.

​في هذا التقرير، نغوص في تفاصيل ليلة "البالطو الأبيض"، ونروي حكاية "تسنيم بدير"، الفتاة التي حققت ما كان يُظن مستحيلًا في قريتها، وكواليس "بيت القرآن" الذي تحول إلى "مصنع للأطباء".

*​"أيقونة" منشية المعصرة.. حلم تحقق بعد سنوات عجاف*

​وسط مئات الخريجين، وقفت الطالبة "تسنيم بدير هاشم" تلوح بقبعة التخرج، لكنها لم تكن تعلم أنها في تلك اللحظة لم تكن تتسلم شهادة تخرجها فحسب، بل كانت تتسلم "وثيقة تاريخية" تعلنها أول "طبيبة بشرية فتاة" في تاريخ قريتها "منشية المعصرة".

​لم يسبق لفتاة من القرية أن اقتحمت هذا المجال الصعب وتخرجت منه، ليكون لـ "تسنيم" السبق والريادة، فاتحةً الباب أمام عشرات الفتيات من بعدها ليحلمن بلقب "دكتورة"، وكاسرةً كل الحواجز المجتمعية بتفوقها في التعليم العام، لتثبت أن العزيمة لا تعترف بالجغرافيا ولا بالعادات القديمة.

*​"الشيخ حمادة".. حينما يربي "حامل القرآن" طبيبات*

​وراء هذا الإنجاز "أب" ليس ككل الآباء. إنه الأستاذ "بدير هاشم بدير"، وكيل مدرسة منشية المعصرة الابتدائية، والمعروف بين أهالي القرية بلقب "الشيخ حمادة هاشم". هذا الرجل الذي يحمل في صدره "القرآن الكريم" كاملًا، ومجاز برواية حفص والقراءات العشر، أثبت عمليًا أن "الدين والعلم" صنوان لا يفترقان.

​وعلى صفحته الشخصية بـ "فيسبوك"، تحول الأب الوقور إلى شاعر يفيض فخرًا، كاتبًا رسالة أبكت المتابعين من فرط صدقها، قال فيها: "وكان فضل الله عليك عظيمًا.. بتوفيق من الله تخرجت ابنتي الطبيبة تسنيم، لتصبح أول طبيبة بشري أنثى من قريتنا".

​ولم ينسب الشيخ "حمادة" الفضل لنفسه، بل أرجعه لصاحبته الحقيقية، في لفتة وفاء نادرة، قائلًا: "هذا نتاج سنوات من الجهد والتعب، وخاصة والدتها التي لم تدخر جهدًا".

*​"سماح عبد الجليل".. الجندي المجهول في "مصنع النوابغ"*

​إذا كان الأب هو "الوتد"، فالأم هنا هي "الخيمة" التي ظللت على بناتها. السيدة "سماح عبد الجليل عطية"، المدرس الأول للرياضيات، لم تكتفِ بمعادلات الحساب في المدرسة، بل حلت أصعب معادلة في التربية، وهي "صناعة التفوق".

​فمنزل "الشيخ حمادة" و"الأستاذة سماح" لا يخرج منه إلا النوابغ؛ فبجانب "تسنيم" (أول طبيبة تعليم عام)، تستعد الأسرة لحدث تاريخي آخر مع الابنة الثالثة "آلاء"، الطالبة بالفرقة الأولى بطب الأزهر، لتكون مشروع "أول طبيبة أزهرية" في القرية، بينما تلمع "هاجر" في السنة الرابعة بتربية إنجليزي، وتسير الصغريات "فاطمة" (نظام بكالوريا) و"جويرية" على نفس الدرب.

*​كرنفال الدفعة 61.. وداعًا لـ "سهر الليالي"*

​بالعودة للمشهد العام، كانت ساحات كلية الطب البشري أشبه بملحمة فرح. 850 طبيب وطبيبة خرجوا للتو من لجان الامتحانات النهائية للفرقة الخامسة، ليعلنوا انتهاء 5 سنوات من الدراسة النظرية الشاقة.

​الاحتفال الذي رعاه الدكتور "أحمد المنشاوي" رئيس الجامعة، وحضره "الأب الروحي" للطلاب الدكتور "علاء عطية" عميد الكلية، شهد لحظات مؤثرة، حيث اختلطت الأحضان بالورود، والرقص بالدموع. الجميع هنا يدرك أن القادم هو "الجد"، حيث تنتظرهم سنتان من التدريب الإلزامي (الامتياز) داخل أروقة المستشفيات الجامعية، لكنهم اليوم قرروا أن يسرقوا من الزمن لحظة فرح مستحقة، موثقين إياها بصور تذكارية ستظل محفورة في ذاكرة "الجيش الأبيض" الجديد، وفي قلب قرية "منشية المعصرة" التي باتت تفخر بابنتها "تسنيم".

          
تم نسخ الرابط