الدكتور أمين لطفي يكتب: تكافل وكرامة بين الاستدامة والعدالة
حين أطلقت مصر برنامج "تكافل وكرامة" عام 2015، لم يكن الأمر مجرد إضافة بند جديد إلى بنود الإنفاق الاجتماعي، وإنما كان تحولًا مهمًا في فلسفة الحماية الاجتماعية؛ من دعم عام قد يصل إلى المستحق وغير المستحق، إلى مساندة أكثر قدرة على الوصول إلى الأسر والفئات الأولى بالرعاية. وبعد أكثر من عقد على انطلاق البرنامج، لم يعد السؤال الصحيح: كم أسرة تحصل على تكافل وكرامة؟ ولا حتى: كم مليار جنيه تخصصه الدولة له؟ وإنما أصبح السؤال الأصعب والأهم: هل نستطيع ضمان استدامة هذا الحق وعدالة توزيعه وتعظيم قيمته الاجتماعية مقابل كل جنيه تنفقه الدولة؟
تكشف البيانات الرسمية حجم ما أصبح يمثله البرنامج في البنية الاجتماعية المصرية. ففي عام 2025 كانت وزارة التضامن الاجتماعي تشير إلى استفادة نحو 4.7 مليون أسرة من الدعم النقدي الأساسي، وأن البرنامج وصل خلال عقده الأول إلى ملايين الأسر، بينما تشير بيانات الوزارة المنشورة في يونيو 2026 إلى استمرار الاتساع الكبير في مكونات "تكافل" و"كرامة". كما ارتفع الإنفاق على برامج الدعم النقدي من نحو 41 مليار جنيه في العام المالي السابق إلى نحو 54 مليار جنيه في 2025/2026. والأهم أن "تكافل وكرامة" أصبح حقًا تشريعيًا ضمن الإطار الجديد للضمان الاجتماعي، وهو ما ينقل قضية استدامته من مجال الاختيار الإداري إلى مجال الالتزام المؤسسي طويل الأجل.
وهنا تحديدًا يبدأ الداء.
الداء الأول: أن نقيس حجم الإنفاق ولا نقيس قيمة ما حققه
أخطر ما يمكن أن يحدث لأي برنامج اجتماعي ناجح أن يتحول نجاحه مع مرور الزمن إلى أرقام عن المخصصات وعدد المستفيدين فقط. زيادة عدد المستفيدين ليست في ذاتها دليلًا كاملًا على زيادة الكفاءة، كما أن زيادة الموازنة لا تعني تلقائيًا زيادة الأثر الاجتماعي.
الاختبار الحقيقي هو: كم أسرة انتقلت من الهشاشة إلى قدر أكبر من الاستقرار؟ وكم نقطة من فجوة الفقر أمكن تخفيضها؟ وهل تحسن انتظام أبناء الأسرة في التعليم؟ وهل تحسنت قدرتها على الحصول على الرعاية الصحية؟ وهل المحافظة التي تحصل على موارد أكبر تحقق بالفعل أثرًا اجتماعيًا أكبر؟
لقد أظهرت خبرة "تكافل وكرامة" بالفعل جوانب مهمة تتجاوز مجرد تحويل الأموال؛ فالبنك الدولي يشير إلى توجيه نسبة كبيرة من مكونات البرنامج إلى المناطق الأكثر تأخرًا، وإلى أهمية البرنامج بالنسبة للمرأة والأشخاص ذوي الإعاقة وتنمية رأس المال البشري.
لكن المرحلة المقبلة تستلزم خطوة أبعد: محاسبة القيمة، لا محاسبة الإنفاق فقط.
والدواء هنا هو إدخال مبدأ القيمة مقابل المال إلى قلب إدارة تكافل وكرامة. بمعنى أن يصبح لدينا، إلى جانب حساب قيمة ما صرفناه، حساب لما تحقق بهذا الإنفاق من نتائج. المطلوب هو مؤشر أداء مركب لكل محافظة يجمع الكفاءة المالية، والفاعلية الاجتماعية، ودقة الاستهداف، وجودة الحوكمة الرقمية. وعندئذ فقط نستطيع أن نعرف لماذا يحقق جنيه ينفق في محافظة أثرًا أفضل من الجنيه نفسه في محافظة أخرى.
الداء الثاني: الفقر متحرك بينما قوائم المستحقين يمكن أن تصبح ساكنة
الأسرة الفقيرة اليوم قد تتحسن ظروفها غدًا، وأسرة مستقرة نسبيًا اليوم قد تفقد مصدر دخلها فجأة وتدخل دائرة الاحتياج. وإذا كان الاستحقاق يتحرك بينما قواعد البيانات لا تتحرك بالسرعة نفسها، تظهر مشكلتان متعاكستان: غير مستحق يستمر داخل المنظومة، ومستحق حقيقي يبقى خارجها.
وهنا لا ينبغي أن ننظر إلى خطأ الإدراج وحده؛ لأن حماية المال العام لا تعني فقط إخراج غير المستحق، وإنما تعني أيضًا عدم ترك المستحق الحقيقي خارج شبكة الأمان.
هذه هي العدالة بمعناها الكامل.
والخبرة الدولية تؤكد أن قوة برامج الحماية الاجتماعية الحديثة أصبحت مرتبطة بقوة السجل الاجتماعي الذي تتجمع حوله البيانات وتتحدث بصورة مستمرة. ويشير البنك الدولي إلى أن الهويات الرقمية الآمنة، والسجلات الاجتماعية، والمدفوعات الرقمية أصبحت من العناصر الأساسية لرفع كفاءة أنظمة الحماية وتقليل الاحتيال وتحسين القدرة على الوصول السريع إلى الفئات المحتاجة، ولا سيما عند وقوع الأزمات.
والدواء لمصر هو الانتقال من قائمة مستفيدين إلى سجل اجتماعي ديناميكي. ليس المقصود مراقبة المواطن، وإنما حماية حقه وحماية حق الدولة في الوقت نفسه. تتغير البيانات، فيعاد تقدير الاستحقاق؛ تفقد الأسرة مصدر دخلها، فيلتقطها النظام؛ تتحسن أوضاعها بصورة مستدامة، فتنتقل تدريجيًا من الحماية إلى التمكين.
الداء الثالث: الخوف من "التخارج" أو تحويله إلى مجرد حذف
نجاح تكافل وكرامة لا يقاس فقط بمن يدخل البرنامج، وإنما أيضًا بمن يستطيع أن يغادره لأنه أصبح قادرًا على الاعتماد بصورة أكبر على دخله وعمله. وقد أشارت وزارة التضامن إلى خروج ملايين الأسر من البرنامج على مدار سنوات تشغيله، بالتوازي مع استمرار ملايين أخرى تحت مظلته.
لكن كلمة "التخارج" يجب أن تُستخدم بمنتهى الحذر. فالتخارج الناجح ليس إخراج أسرة من قاعدة بيانات؛ بل نقلها من الاحتياج إلى القدرة.
وهنا تعلمنا التجارب الدولية درسًا شديد الأهمية. في البرازيل لم يقتصر تطور "Bolsa Família" على التحويل النقدي، بل ارتبط بالصحة والتعليم وبسجل اجتماعي واسع، ومع التطوير الحديث استمر التركيز على الأطفال والأسر الفقيرة وربط الحماية بفرص أوسع للاندماج الاقتصادي. وأظهرت تجارب تحديث السجلات الاجتماعية في البرازيل أهمية وصل المستفيدين بالتدريب وفرص الانتقال إلى سوق العمل، بدل أن يكون الخروج من الحماية قفزة في المجهول.
إذن الدواء المصري يجب أن يكون مسار تخارج آمنًا: لا يتوقف الحق فجأة بمجرد ظهور تحسن محدود، وإنما تمر الأسرة عبر فترة انتقالية تربطها بالتدريب، والعمل، والمشروعات متناهية الصغر، والشمول المالي، ثم تُخفض المساندة تدريجيًا عندما يصبح التحسن مستدامًا.
الداء الرابع: عدالة المبلغ ليست هي عدالة الأثر
قد يحصل مستفيدان على القيمة نفسها، ولكن أثرها عليهما يختلف جذريًا. أسرة من خمسة أفراد ليست كأسرة من فردين، والمحافظة الأعلى في تكلفة المعيشة ليست كغيرها، والأسرة التي تضم شخصًا ذا إعاقة ليست كأسرة لا تتحمل هذه التكلفة الإضافية.
ومن هنا فإن العدالة لا تعني المساواة الحسابية.
لقد بُنيت برامج دولية ناجحة، ومنها Bolsa Família، على مراعاة تكوين الأسرة ووجود الأطفال وارتباط الاستحقاق بجوانب من التعليم والصحة. كما تُظهر تجربة برنامج Asignación Universal por Hijo في الأرجنتين أن ربط الحماية الاجتماعية بمسارات التعليم والصحة يمكن أن يجعل أثرها يتجاوز مجرد سد فجوة دخل وقتية؛ وتشير مراجعات البنك الدولي إلى أن البرنامج أسهم في خفض الفقر المدقع داخل الفئات المستهدفة وتحسين الاحتفاظ بالتلاميذ والحضور المدرسي، خصوصًا في أوقات الصدمات.
والدواء ليس بالضرورة زيادة عامة في قيمة تكافل وكرامة، وإنما بناء معادلة عدالة تفرق بين الاحتياجات وفق حجم الأسرة، وشدة الفقر، والإعاقة، والأطفال، والبيئة الجغرافية، مع وجود مراجعة دورية لقوة التحويل الحقيقية في مواجهة التضخم.
الداء الخامس: الرقمنة التي تنقل المال ولا تعيد هندسة القرار
الصرف الإلكتروني إنجاز، لكنه ليس النهاية. يمكن أن تصبح عملية الدفع رقمية بينما تظل طريقة الاستهداف والمراجعة وقياس الأداء تقليدية.
الرقمنة الحقيقية تعني أن نستطيع قبل الصرف أن نتحقق، وبعده أن نقيس، وأثناء التنفيذ أن نكتشف الخلل.
وتوضح الخبرة العالمية أن أنظمة الحماية الأكثر قدرة على مواجهة الصدمات هي التي جمعت بين السجل الاجتماعي، والهوية الموثوقة، والمدفوعات الرقمية، والتكامل بين قواعد البيانات. خلال الأزمات، كانت الدول التي امتلكت هذه البنية أقدر على توسيع الحماية بسرعة والوصول إلى الفئات المتضررة.
إذن الدواء هو الانتقال من رقمنة الدفع إلى رقمنة دورة القرار بالكامل: طلب، واستحقاق، وتحقق، وصرف، وتظلم، ومراجعة، وقياس أثر. ومع كل قرار يجب أن يظل هناك أثر رقمي يسمح بالمراجعة والمساءلة.
الداء السادس: الاستدامة المالية قد تتحول خطأً إلى تقليص اجتماعي
عندما ترتفع تكلفة برنامج اجتماعي، يكون الحل الأسهل محاسبيًا هو تقليل المستفيدين أو ضغط القيمة. لكنه قد يكون الحل الأغلى اجتماعيًا.
الاستدامة الحقيقية ليست "كيف ننفق أقل؟"، بل كيف نحقق أثرًا اجتماعيًا أكبر من الموارد المتاحة؟
وهنا يجب الجمع بين ثلاثة أشياء: إخراج غير المستحق، إدخال المستحق المستبعد، وتمكين من يستطيع الانتقال إلى العمل. عندئذ يصبح تحسين الاستهداف مصدرًا للاستدامة وليس مجرد أداة رقابة.
الدواء الأكبر: "تكافل وكرامة" بمنطق القيمة مقابل المال
مصر لا تحتاج إلى استنساخ البرازيل أو الأرجنتين أو أي نموذج أجنبي. ما تحتاجه هو استخلاص منطق النجاح: قاعدة بيانات متحركة، استحقاق دقيق، حماية مرتبطة برأس المال البشري، تظلم فعال، انتقال آمن نحو التمكين، وقياس مستمر للنتائج.
وهنا أقترح الانتقال بتكافل وكرامة إلى مرحلة جديدة تتأسس على مؤشر مصري مركب للقيمة مقابل المال يحسب لكل محافظة، ويجيب سنويًا عن أربعة أسئلة لا ينبغي أن يغيب أي منها: هل أنفقنا بكفاءة؟ هل وصل الحق إلى مستحقه؟ هل أحدث الإنفاق أثرًا اجتماعيًا حقيقيًا؟ وهل حمت الحوكمة الرقمية المال والمواطن معًا؟
لدينا أساس مهم للبناء عليه؛ فقد أكمل تكافل وكرامة عقده الأول، وتوسعت تغطيته، وطُورت آليات التظلم والمتابعة، كما استثمرت الدولة وشركاؤها الدوليون في توسيع البرنامج والسجل الاجتماعي وتعزيز فرص الإدماج الاقتصادي.
والمطلوب الآن ليس برنامجًا جديدًا؛ بل جيل جديد من البرنامج نفسه.
جيل لا يفخر فقط بعدد من تصل إليهم الدولة، وإنما يعرف بدقة ماذا تغير في حياتهم. لا يعتبر الأسرة رقمًا في كشف صرف، وإنما وحدة قياس للعدالة الاجتماعية. ولا يرى الرقابة باعتبارها البحث عن المخالف وحده، بل باعتبارها أيضًا البحث عن مستحق لم نصل إليه.
هذه هي معادلة الاستدامة والعدالة معًا: ألا نخسر المستحق بحجة حماية المال، وألا نخسر المال باسم حماية المستحق؛ بل نحمي الاثنين بمنظومة واحدة.
وتلك، في تقديري، هي المرحلة التي يستطيع فيها "تكافل وكرامة" أن ينتقل من نجاح مصري كبير في توسيع شبكة الأمان، إلى نموذج دولي أكثر تقدمًا في المحاسبة عن القيمة الاجتماعية: كل جنيه معروف أين ذهب، ولمن ذهب، ولماذا ذهب، وماذا حقق.
فالفقر لا يُهزم بكثرة ما ننفق وحدها، والعدالة لا تتحقق بكثرة من نسجل أسماءهم، والاستدامة لا تُضمن بتقليص الحقوق. النجاح الحقيقي هو أن تتحول موارد الحماية الاجتماعية المحدودة إلى أكبر قدر ممكن من الكرامة الإنسانية المستدامة.
وهنا يصبح الاسم نفسه—تكافل وكرامة—ليس مجرد عنوان لبرنامج، وإنما معيارًا للحكم على نجاحه: تكافل يحمي من السقوط، وكرامة تفتح الطريق إلى القدرة والاستقلال.
جوجل نيوز
واتس اب