صوت بورسعيد الذي لم يرحل.. عفاف سحلب: أيقونة الصمود وذاكرة "المسلة" من الحرب إلى السلام
أصوات نسمعها ثم ننساها، وهناك أصوات ترتبط بزمان ومكان وحدث، حتى تصبح جزءًا لا يتجزأ من الوجدان وذاكرة مدينة بأكملها. وفي تاريخ البواسل، يبرز صوت الإعلامية القديرة عفاف سحلب كأحد أبرز هذه الأصوات التي حفرت اسمها بحروف من نور في قلوب البورسعيديين، مستبقيةً في مدينتها زمن الحرب، ومبشرةً بعودتها زمن السلام.
ابنة "حي العرب" واختيار الصمود :
ولدت عفاف سحلب في حي العرب العريق عام 1947، ونشأت في واحدة من أكثر مناطق المدينة ارتباطًا بتاريخ المقاومة الشعبية. وعندما جاءت سنوات التهجير القسري عقب نكسة 1967، واختارت العائلات البورسعيدية مضطرة مغادرة المدينة، اتخذت الشابة ابنة الحادية والعشرين من عمرها طريقًا مختلفًا تمامًا؛ إذ رفضت الرحيل مع أسرتها التي انتقلت بين الزقازيق ورأس البر، واختارت أن تبقى في مدينتها حتى النصر.
ولم تكن "سحلب" مجرد مستبقية بالاسم، بل دخلت في قلب الأحداث الملتهبة؛ حيث التحقت بالعمل في إدارة العلاقات العامة بمحافظة بورسعيد، وأصبحت ترافق اللواء عبد التواب هديب، محافظ بورسعيد العسكري آنذاك، في جولاته الميدانية ولقاءاته مع ضباط وجنود القوات المسلحة في المواقع الحيوية، لتعيش تفاصيل معركة الصمود والاستعداد لحرب التحرير عن قرب.
من تحت "المسلة".. هنا إذاعة بورسعيد :
ومع إشراقة نصر أكتوبر العظيم، جاءت اللحظة التي ارتبط فيها اسم عفاف سحلب بواحدة من أهم ذكريات بورسعيد الحديثة. ففي شهر رمضان من عام 1974، ومع بدء عودة المهاجرين، انطلق صوتها قويًا ومطمئنًا عبر أثير إذاعة بورسعيد المحلية من استوديو صغير أُسس أسفل "المسلة" في حديقة الشهداء.
وكانت تبدأ رسالتها بعبارتها الشهيرة التي أصبحت أيقونة بورسعيدية:
«هنا إذاعة بورسعيد المحلية.. إليكم نشرة الأخبار.. وهذا موجزها»
لم تكن تلك النشرة التي تُذاع في الثانية ظهرًا وتُعاد في الخامسة والنصف مساءً مجرد سرد للأخبار، بل كانت نبضًا لمدينة تستعيد حياتها؛ تنقل أخبار عودة الأهالي إلى بيوتهم، وتقدم برامج قصيرة لرفع معنويات جنود الجيش الثاني وقوات الدفاع المدني، ليكون صوتها الجسر الذي يربط بين الأحياء القديمة وملامح بورسعيد الجديدة.
حركة ثقافية متعددة الأوجه :
ولم تتوقف حكاية عفاف سحلب خلف ميكروفون الإذاعة فحسب؛ بل كانت شعلة نشاط ثقافي وفني؛ فكتبت الحوارات والتحقيقات الصحفية لمجلة "صوت بورسعيد"، ومثلت مع فرقة بورسعيد المسرحية التي طافت المحافظات لتقديم عروضها للمهجرين لتخفيف آلام الغربة عنهم، مؤكدة على الهوية الثقافية للمدينة.
ومع دوران عجلة البناء، كانت شاهدة بصوتها وقلمها على مرحلة إعادة الإعمار وبناء التجمعات السكنية الجديدة، ومنها "حي الكويت" الذي شُيّد لاستيعاب الأسر العائدة.
تنقلت بحب بين بيتها في شارع السلطان حسين وبيت خالتها في شارع عبد السلام عارف، لتوثق تفاصيل التحول من ألم الحرب إلى طموح التعمير.
إرث ممتد وذاكرة لا تموت :
وفي حديثها عن تلك السنوات، لم تنظر عفاف سحلب يومًا إلى ما قدمته باعتباره بطولة شخصية، بل كانت تعبر دومًا عن رضاها التام وفخرها بما قدمته من عطاء لبورسعيد ومصر في الحرب والسلام، معتزة بامتداد مسيرتها الإعلامية من خلال أبناء أسرتها الذين ساروا على دربها.
إن قصة عفاف سحلب تؤكد أن المدن لا تُقاس بمساحتها، بل بما أنجبته من أبناء رفضوا خذلانها في أصعب اللحظات. سيبقى صوتها الذي انطلق من تحت المسلة محفورًا في تاريخ المدينة؛ فالأصوات الحرة لا ترحل، بل تظل صفحات مضيئة تحفظ ذاكرة الوطن وتلهم الأجيال المتعاقبة.

جوجل نيوز
واتس اب