ليس نجاح المنتديات الاقتصادية مرهونًا بعدد توصياتها أو قوة عناوينها، بل بقدرة الدولة على تحويل كل توصية إلى هدف قابل للقياس، وكل هدف إلى تكليف ممول بموعد ومسؤول محددين، ثم مساءلة علنية عن الفجوة بين المستهدف والمتحقق. فلا ينبغي أن يبقى أي تعثر بلا تفسير موثق، ولا أي التزام بلا جهة تُسأل عن تنفيذه. والمواطن، في النهاية، لا ينتظر بيانًا جديدًا عن الإنجازات؛ بل ينتظر أثرًا يلمسه في دخله وعمله وتعليمه وعلاجه وخدماته الأساسية.
وقد طرحت مخرجات منتدى مصر 2026 مستهدفات مهمة، منها زيادة فرص العمل، وتطوير خدمات المستثمرين، واستكمال «حياة كريمة»، وتحسين الأجور والإسكان والبنية الأساسية. وهي توجهات جديرة بالاهتمام، لكنها تضعنا أمام السؤال الأهم: كيف ننتقل من زخم التوصيات إلى انضباط التنفيذ، ومن لغة الأرقام الإجمالية إلى تحسن حقيقي في مستوى المعيشة؟
الداء.. اتساع الوعود وضيق أدوات التحقق
لا تكمن المشكلة في طموح التوصيات، وإنما في احتمال تزاحمها على الموارد المالية والإدارية، وغياب ترتيب الأولويات ومؤشرات الأثر. فتوفير مليون فرصة عمل، مثلًا، ليس مرادفًا لمليون وظيفة منتجة ومستقرة ذات دخل لائق. وإنشاء وحدات سكنية لا يثبت وحده القدرة على تحمل تكلفتها أو توافر الخدمات حولها. وإطلاق منصة للمستثمر لا يصبح إصلاحًا إلا إذا اختصر الوقت والتكلفة وعدد الموافقات بالفعل.
والخلل الأكبر أن نتعامل مع إنجاز الأعمال الإنشائية باعتباره مساويًا لانتفاع المواطن بالخدمة. ففي «حياة كريمة» يجب التمييز بين توصيل الشبكات وانتظام المياه النظيفة، وبين بناء الوحدة الصحية وتوافر الطبيب والدواء، وبين إعلان انتهاء المشروع وتحسن حياة الأسر. وقبل التوسع في مرحلة جديدة، يلزم تقييم المرحلة السابقة: ماذا خُطط له؟ وماذا اكتمل؟ وما الذي دخل الخدمة؟ ولماذا تأخر الباقي؟
الدواء.. من التوصية إلى عقد أداء قابل للتنفيذ
أقترح تحويل مخرجات المنتدى إلى برنامج تنفيذي وطني ذي أولويات محدودة، تديره رئاسة مجلس الوزراء عبر أجهزة المتابعة القائمة، وتلتزم بموجبه كل وزارة بعقد أداء معلن يتضمن خط الأساس، والهدف السنوي، ومؤشر النتيجة، والتمويل المعتمد، والجهة المسؤولة، والمواعيد المرحلية، والمخاطر وخطة علاجها.
ويجب ألا تُعتمد مبادرة جديدة لمجرد جاذبيتها؛ بل بعد اختبار جدواها وقدرة الموازنة على تمويلها، وتحديد تكلفتها طوال دورة التشغيل والصيانة. كما ينبغي ربط التوسع في البرامج بنتائج مراحلها السابقة، حتى لا تتراكم التزامات غير مكتملة.
في الأجور، يكون المؤشر هو نمو الأجر الحقيقي بعد التضخم لا الزيادة الاسمية فحسب؛ وفي التشغيل، الوظائف الصافية المستدامة ومتوسط الدخل؛ وفي الصحة، زمن الحصول على العلاج وتوافر الأدوية؛ وفي التعليم، جودة التعلم لا عدد المباني وحده؛ وفي الاستثمار، عدد الإجراءات والأيام والتكلفة التي جرى خفضها فعليًا.
الدروس الدولية.. إدارة النتائج لا استعراض النشاط
تقدم ماليزيا درسًا في تحديد الأولويات من خلال تجربة وحدة إدارة الأداء والتنفيذ «PEMANDU»، التي ربطت الأولويات الحكومية بمؤشرات ومسؤوليات ومتابعة للتعثر. وتوضح تجربة كوريا الجنوبية أهمية تقييم الأداء الحكومي وآثار السياسات، بينما طورت تشيلي أدوات لتقييم البرامج وإدخال معلومات النتائج في مناقشات الموازنة. ولا تخلو أي تجربة من أوجه قصور، لكن القاسم المشترك هو أن الإنجاز يُختبر بالأدلة ويُستخدم في تصحيح القرارات.
وتدعو مرجعيات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والبنك الدولي إلى ربط مؤشرات الأداء بالقرارات الفعلية، والتحقق من جودة البيانات، وإتاحة النتائج للمساءلة؛ إذ لا تكفي لوحة مؤشرات جميلة إذا لم تُغيّر مسار مشروع متعثر.
المساءلة: من يتحمل فجوة التنفيذ؟
المطلوب منظومة شفافة، لا جهازًا بيروقراطيًا جديدًا. وأقترح نشر «كشف حساب ربع سنوي» موحد لمخرجات المنتدى، يبين لكل التزام: المستهدف والمتحقق، ونسبة الانحراف، وسبب التعثر، وأثره على المواطن، والإجراء التصحيحي، واسم الجهة المسؤولة وموعد المعالجة. وتُراجع البيانات من جهات رقابية وفنية مستقلة عن منفذي البرامج، وتُعرض حصيلتها أمام البرلمان والرأي العام.
ولا تعني المساءلة البحث عن مسؤول لمعاقبته عند كل تأخير؛ فقد توجد صدمات خارجية حقيقية. لكنها تعني التمييز بين الظرف الخارج عن السيطرة وضعف التخطيط أو كفاءة الإنفاق، وتحديد من يملك قرار التصحيح، وما الذي تغيّر بعد اكتشاف الفجوة. فالمساءلة التي لا تؤثر في القرار أو الموارد أو المسؤوليات تتحول إلى إجراء شكلي.
الأثر.. جبر خاطر المواطن هو معيار النجاح
قد تتحسن بعض المؤشرات الكلية دون أن يشعر المواطن سريعًا بثمارها؛ لذلك لا بد من قياس التجربة المعيشية إلى جانب نمو الاقتصاد: هل ارتفعت القوة الشرائية؟ هل أصبحت الخدمة الصحية والتعليمية أقرب وأجود؟ هل انخفض عبء الانتقال والسكن؟ وهل وجد الشاب عملًا منتجًا يوفر له مستقبلًا؟.
إن مخرجات منتدى مصر 2026 فرصة للانتقال من ثقافة إعلان المستهدفات إلى ثقافة ضمان النتائج. فالتوصية ليست إنجازًا، والتكليف ليس تنفيذًا، والإنفاق ليس أثرًا. والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح كل ثلاثة أشهر ليس: ماذا وعدنا؟ بل: ماذا أنجزنا، ولماذا لم ننجز الباقي، ومن المسؤول عن تصحيح المسار؟.
فجبر خاطر المواطن لا يتحقق بخطاب الإنجاز وحده، وإنما عندما يصبح الإنجاز واقعًا يعيشه اليوم، وثقة مبررة في غد أبنائه.
