في عام 2003 ... كنت قد تخرجت للتو من الجامعة ، وكان مشروع تخرجي قد وضعني في قلب الملف السياسي ، في وقت كانت الحرب الأمريكية على العراق تحتل فيه كل مساحة من الوعي العام ، كان المحللون ينقسمون حينها بين رؤيتين : الأولى ترى في الغزو بدايةً لسيناريو أوسع تستهدف فيه القوى الدولية دولاً عربية أخرى وإن اختلفت أساليب الاستهداف من بلد إلى آخر، وأصحاب التيار الآخر يرون في العراق حالةً استثنائية ترتبط بأسبابٍ خاصة لا بقالبٍ أو نمط قد يتم تطبيقه على الجميع ، لكن مع مرور السنوات بدت الرؤية الأولى أقرب إلى الواقع ... انفصال جنوب السودان ، ثم ما عُرف بـ"الخريف العربي" عام 2011، وتوالى سقوط دول وتأزم أوضاعها ، وتعمّق الانقسام ، وتراجع قدرة الدول على حماية قراراتها ومقدراتها ، وكانت مصر بفضل الله ثم بحكمة قيادتها قد تجاوزت لحظةً كان السيناريو المظلم يقف على أبوابها.
لا أحد يحب الحرب ، ولا يدخل إليها من باب التهور أو المتعة ، فالحرب خسارة في الإنسان قبل الأرض وفي المستقبل قبل الحاضر ، لكن حين تعلن القيادة السياسية المصرية استعدادها لتقديم الدعم العسكري للسعودية ، فإن الأمر لا يُقرأ كنداء عاطفي أو اندفاع لحظي ، بل كقرارٍ صادر عن مؤسسات تزن الكلمة قبل أن تنطقها ، وتقيس الخطوة قبل أن تتحرك ، وقد أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن مصر لن تقف موقف المتفرج إزاء المساس بأمن المملكة السعودية ، وأن أي تدخل سيكون دفاعياً لا هجومياً.
أثق في رؤية قيادتنا السياسية ، وهذا ليس شعوراً عابراً أو انحيازاً عاطفياً ، بل لأن الأحداث جاءت تثبت مراراً أن القرارات كانت تُتخذ بوعي وبُعد استراتيجي ، وكل خطوة تُتخذ إنما تُقاس بعواقبها لا بانفعالاتها ، فما يميز القيادة المصرية ليس مجرد القدرة على اتخاذ القرار، بل القدرة على تأجيله حين يتطلب الأمر الصبر، واتخاذه حين يصبح التأجيل خطراً ، فالقيادة التي أدارت مصر عبر سنوات شهدت تحولات إقليمية عنيفة ، وأزمات اقتصادية ومجتمعية ، وتحديات أمنية متلاحقة ، لم تترك للانفعال أن يقود الدولة ، بل جعلت من الاتزان منهجاً ، ومن الصبر سياسة ، ومن الحكمة خطاً أحمر لا يتم تجاوزه ، وهذا ما يمنح القرار المصري وزنه فهو يأتي من دولة تعرف قيمة الاستقرار لأنها اختبرت كلفة فقدانه ، وتعرف معنى السيادة لأنها دافعت عنها.
كما أن هذا الموقف يعكس إدراكاً عميقاً بأن أمن مصر وأمن السعودية ليسا ملفين منفصلين ، بل حلقتان في منظومة إقليمية واحدة ، فأي اضطراب يطال المملكة يهدد مباشرة خطوط الملاحة ، وأسواق الطاقة، وتوازنات المنطقة ، ويفتح الباب أمام تدخلاتٍ خارجية تضعف الدول العربية وتضعها في موضع المتلقي لا صاحب القرار ، ولذلك فإن وقوف مصر مع السعودية ليس تفضيلاً لمصلحة خارجية، بل دفاع عن مصلحة مصرية واستراتيجية عربية في آنٍ واحد.
صحيح أن العلاقات المصرية السعودية مرت كأي علاقة بين دولتين بفترات من التوتر أو الاختلاف في التقديرات وهذا طبيعي في لغة السياسة حيث تتصادم المصالح أحياناً قبل أن تلتقي في الإطار الأكبر، لكن جوهر العلاقة بين البلدين راسخاً ، لأنه قائم على وعي مشترك بأن ما يصيب إحدى الدولتين قد يمس الأخرى ، وأن التضامن بينهما ليس رفاهية سياسية بل ضرورة استراتيجية ، وقد جاء قرار مجلس الدفاع الوطني المصري لتقديم "كافة أشكال الدعم اللازمة والممكنة" للسعودية للدفاع عن أمنها واستقرارها وسلامة أراضيها والمقدسات الإسلامية تأكيداً عملياً على هذا الفهم.
كما أن القرار يعيد التأكيد على مكانة مصر كدولة محورية في المنطقة، لا بحجم سكانها أو موقعها الجغرافي فقط ، بل بقدرتها العسكرية والأمنية ، وبوزنها السياسي ، وبقدرتها على أن تكون طرفاً يُحسب به في أي معادلة إقليمية ، فمصر لا تدخل المعادلة كدولة تُستدرج ، بل كقوةٍ تختار موقفها بوعي ، وتضع قدراتها في خدمة استقرار المنطقة لا في خدمة الصراع.
ربما لم نكن في 2003 نعرف بدقة كيف ستتوالى الأحداث ، لكننا تعلمنا درساً واحداً واضحاً هو أن الضعف والانقسام يجعلان الدول فريسةً سهلة ، وأن الوحدة والوعي هما خط الدفاع الأول ، واليوم حين تقف مصر إلى جانب السعودية فهي لا تقف مع دولة فقط ، بل مع فكرةٍ أعمق .. أن الأمن العربي واحد، وأن قوة أي دولة عربية هي درع لجارتها ، وهكذا تبقى مصر برؤية قيادتها وحكمة قراراتها صمام أمان للمنطقة ، وحارساً لاستقرارها ، وشاهداً على أن الحكمة لا تعني الابتعاد عن المسؤولية ، بل تحملها في الوقت المناسب وبالطريقة الصحيحة.
