يمتد التعاون العسكري بين مصر والسعودية لأكثر من سبعة عقود، شهدت خلالها العلاقات بين البلدين محطات بارزة، بدأت بالمشاركة في حرب فلسطين عام 1948، مرورًا بتوقيع اتفاق الدفاع المشترك عام 1955، ووصولًا إلى التدريبات والمناورات العسكرية متعددة الأطراف، التي تستهدف تبادل الخبرات وتعزيز التنسيق بين القوات المسلحة في البلدين.
ويأتي هذا التعاون في ظل تطورات إقليمية متسارعة، تضع قضايا الأمن القومي العربي والتنسيق الدفاعي على رأس أولويات العلاقات بين القاهرة والرياض، وفق ما أوردته صحيفة «الشرق الأوسط»، نقلًا عن الهيئة العامة للاستعلامات المصرية.

جذور التعاون العسكري
تعود إحدى المحطات المبكرة للتعاون العسكري المصري السعودي إلى حرب فلسطين عام 1948، قبل أن تتخذ العلاقات الدفاعية مسارًا أكثر تنظيمًا بتوقيع اتفاق الدفاع المشترك بين البلدين عام 1955، في خطوة عكست توجهًا نحو تعزيز التنسيق في مواجهة التحديات الإقليمية.
وخلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، أعلنت السعودية التعبئة العامة لقواتها دعمًا لمصر، إلى جانب مساندتها السياسية والمالية، واستحضر الرئيس عبد الفتاح السيسي هذه المواقف خلال لقاء مع الملك سلمان بن عبد العزيز عام 2016، مشيرًا إلى تطوع سعوديين مع القوات المسلحة المصرية في إطار الاستعداد لمواجهة العدوان، ومؤكدًا تقدير مصر للمساندة السعودية خلال تلك المرحلة.
حرب الاستنزاف وأكتوبر 1973
امتد التعاون بين البلدين إلى مرحلة حرب الاستنزاف، التي شهدت دعمًا سعوديًا للمجهود الحربي المصري، وفق ما أشار إليه الرئيس السيسي في كلمته عام 2016.
وخلال حرب أكتوبر 1973، برز الدور السعودي عبر المسارين السياسي والاقتصادي، خصوصًا استخدام النفط أداة ضغط على الدول الداعمة لإسرائيل، من خلال خفض الإنتاج وحظر الصادرات النفطية. كما تشير الهيئة العامة للاستعلامات المصرية إلى مشاركة وحدات سعودية في القتال على الجبهة السورية، بما يعكس تعدد صور المساندة العربية خلال الحرب.

التعاون العسكري ضمن أولويات العلاقة
في 30 يوليو 2015، مثل «إعلان القاهرة»، الصادر عقب لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي آنذاك الأمير محمد بن سلمان، محطة جديدة في مسار العلاقات الدفاعية بين البلدين.
وتضمن الإعلان تطوير التعاون العسكري والعمل على إنشاء القوة العربية المشتركة ضمن أولويات العلاقة المصرية السعودية، في إطار توجه نحو تعزيز التنسيق الإقليمي في مواجهة التحديات الأمنية.
وفي العام نفسه، شاركت مصر بعناصر من قواتها البحرية والجوية في عملية «عاصفة الحزم» في اليمن، التي قادتها السعودية، وفق الهيئة العامة للاستعلامات المصرية.

تدريبات مشتركة لتعزيز الجاهزية
على المستوى العملياتي، تتعدد مجالات التعاون العسكري المصري السعودي لتشمل التدريبات البحرية والجوية والمناورات المشتركة، إلى جانب تبادل الخبرات بين القوات المسلحة.
ومن أبرز هذه التدريبات «مرجان» البحري، و«فيصل» الجوي، فضلًا عن مشاركة البلدين في تدريبات «رعد الشمال»، و«درع الخليج»، و«تحية النسر»، و«النجم الساطع».
وتتيح هذه المناورات للقوات المشاركة التدريب على سيناريوهات وعمليات عسكرية متنوعة، وتعزيز التنسيق بين الوحدات، ورفع مستوى الجاهزية والتوافق العملياتي، في إطار التعاون الدفاعي بين الدول المشاركة.
توسيع نطاق المناورات
شهدت السنوات الأخيرة استمرار التدريبات المشتركة وتنوعها، ومن بينها التدريب البحري الجوي «ميدوزا 12»، الذي نُفذ في نوفمبر 2022، بمشاركة عناصر من القوات الجوية والبحرية والقوات الخاصة المصرية واليونانية والقبرصية والسعودية والأميركية.
كما شاركت عناصر من القوات الخاصة السعودية والإماراتية واليونانية والقبرصية في التدريب المشترك «هرقل 2» في مصر، إلى جانب التدريب البحري السعودي المصري «مرجان 17» وتدريبات «درع الخليج المشترك».
وتعكس هذه التدريبات اتساع نطاق التعاون العسكري ليشمل مناورات ثنائية ومتعددة الأطراف، بما يتيح تبادل الخبرات والتدرب على العمل المشترك بين القوات المشاركة.

من معرض الدفاع العالمي إلى قاعدة برنيس
لم يقتصر التعاون العسكري بين القاهرة والرياض على التدريبات الميدانية، بل امتد إلى مجالات التواصل الدفاعي وتبادل الخبرات المرتبطة بالتطوير العسكري.
وشاركت مصر في النسخة الثالثة من معرض الدفاع العالمي بالسعودية عام 2026، فيما حضر الأمير خالد بن سلمان، نائب وزير الدفاع السعودي، افتتاح قاعدة برنيس العسكرية المصرية بمنطقة البحر الأحمر عام 2020.
مجلس الدفاع الوطني يقرر دعم السعودية
وفي أحدث محطات التعاون المصري السعودي، عقد مجلس الدفاع الوطني، برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي، اجتماعًا في 18 أكتوبر 2026، لبحث تطورات الأوضاع الإقليمية، في ظل التصعيد الذي تتعرض له المملكة، وأكد المجلس تضامن مصر الكامل مع السعودية، واستعدادها لتقديم أشكال الدعم اللازمة والممكنة للدفاع عن أمنها واستقرارها وسلامة أراضيها، إلى جانب تكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية لخفض التصعيد.
وبالتزامن مع ذلك، واصل مجلس النواب مناقشة تفويض رئيس الجمهورية بشأن إرسال قوات عسكرية إلى الخارج، مع إتاحة المجال أمام النواب لطرح تساؤلاتهم ومناقشة تفاصيل الأمر.
وتفتح هذه التطورات فصلًا جديدًا في مسار العلاقات الدفاعية بين القاهرة والرياض، الذي امتد تاريخيًا من اتفاق الدفاع المشترك عام 1955 إلى المناورات العسكرية والتنسيق الأمني، وصولًا إلى بحث آليات التعامل مع التحديات الإقليمية الراهنة.
