ترند ومنوعات

أزمة دفن المسلمين في إسبانيا.. أماكن شاغرة في 14 مقبرة فقط

18 أكتوبر 2026 11:23 ص

أرشيفية

تواجه الجالية المسلمة في إسبانيا تحديات متصاعدة في العثور على أماكن لدفن موتاها وفقًا للشعائر الإسلامية، في ظل محدودية المقابر والمساحات المخصصة لهذا الغرض. وكشف تقرير حديث عن وجود 44 مقبرة أو مساحة مخصصة للدفن الإسلامي في البلاد، لا تزال الأماكن الشاغرة متاحة في 14 موقعًا فقط منها، بينما تخلو ثلاث مناطق ذاتية الحكم تمامًا من هذه المساحات.

وبحسب التقرير الذي أعدته جمعية «دفن كريم» الإسبانية، يتجاوز عدد المسلمين في إسبانيا 2.5 مليون شخص، إلا أن توفير أماكن لدفن المتوفين وفقًا لمعتقداتهم الدينية لا يزال يمثل تحديًا في مناطق عدة. ويقدم التقرير، الذي نشرته وكالة الأنباء الإسبانية «إيفي»، أول خريطة شاملة للمقابر والمساحات المخصصة للدفن الإسلامي في البلاد، كاشفًا عن تفاوت توزيعها ونقص الطاقة الاستيعابية المتاحة.

3 مناطق إسبانية محرومة من أماكن الدفن الإسلامي

أظهرت الدراسة غياب أي مساحات مخصصة للدفن الإسلامي في مناطق إكستريمادورا وكانتابريا وقشتالة لا مانتشا، ما يضطر الأسر المسلمة المقيمة فيها إلى البحث عن مقابر خارج مناطق سكنها لدفن ذويها.

وتتصدر منطقة الأندلس قائمة المناطق الإسبانية من حيث عدد المقابر الإسلامية، بإجمالي 11 مقبرة، تليها كتالونيا بخمس مقابر، ثم منطقة فالنسيا بأربع. وتضم كل من قشتالة وليون وإقليم الباسك ثلاث مساحات مخصصة للدفن الإسلامي، في حين توجد مساحة واحدة في كل من أستورياس وجاليسيا ولا ريوخا ومورسيا ونافارا.

أما العاصمة مدريد، فتواجه نقصًا حادًا في الأماكن المتاحة، رغم وجود موقعين مسجلين للدفن الإسلامي. فقد وصلت المقبرة الإسلامية التقليدية في بلدة جريينيون إلى طاقتها الاستيعابية القصوى عام 2022، بينما لا يزال مشروع تخصيص قطعة أرض تبلغ مساحتها 15 ألف متر مربع داخل مقبرة الجنوب بحي كارانبانشيل قيد الانتظار، دون أن يدخل حيز التنفيذ.

مئات الكيلومترات تفصل الأسر عن أقرب مقبرة

لا تتوقف تداعيات الأزمة عند قلة المقابر، بل تمتد إلى المسافات الطويلة التي تضطر الأسر إلى قطعها للوصول إلى أماكن دفن متاحة. ووفقًا للتقرير، تواجه الأسر في نحو 673 حالة وفاة سنويًا ضرورة السفر لمسافة تتجاوز 100 كيلومتر، فيما تزيد المسافة على 250 كيلومترًا في 437 حالة.

وأشار التقرير كذلك إلى أن المقبرة التي يعتمد عليها سكان 20 بلدية إسبانية إما استنفدت طاقتها الاستيعابية أو لم تعد متاحة للاستخدام، بينما لا تتوافر بدائل موثقة سوى في 39 بلدة.

وتقدر جمعية «دفن كريم» متوسط المسافة بين السكان وأقرب مقبرة إسلامية بنحو 79 كيلومترًا، ترتفع إلى 96 كيلومترًا في البلديات التي لا تضم مقبرة خاصة بها، ما يضاعف الأعباء التنظيمية واللوجستية على الأسر خلال فترات الحداد.

وفي هذا السياق، قالت ميسون دواس، رئيسة الجمعية، إن الجالية المسلمة تطالب منذ سنوات بتخصيص مساحات للدفن الإسلامي داخل المقابر البلدية، استنادًا إلى الاتفاق المبرم عام 1992 بين الدولة الإسبانية واللجنة الإسلامية في إسبانيا.

وأوضحت أن أحد أبرز التحديات يتمثل في افتقار الإدارات المحلية إلى بيانات دقيقة بشأن حجم الطلب الفعلي على أماكن الدفن وعدد الأماكن المتبقية، وهو ما يعرقل وضع خطط تستجيب للاحتياجات الراهنة والمتوقعة خلال السنوات المقبلة.

برشلونة وبلباو.. تجربتان لتجنب نفاد أماكن الدفن

في المقابل، سلط التقرير الضوء على تجربتي برشلونة وبلباو، باعتبارهما نموذجين للتخطيط المسبق وتوسيع الطاقة الاستيعابية قبل تفاقم النقص.

ففي مقبرة كولسيرولا بمدينة برشلونة، نُفذت منذ عام 2016 أربع مراحل متتالية للتوسع، أسفرت عن توفير 514 وحدة للدفن، لا يزال 228 منها شاغرًا، وفقًا لبيانات الجمعية.

وفي مدينة بلباو، شهدت المقبرة توسعًا خلال عامي 2023 و2024، عقب مشاورات مع ممثلي الطوائف الدينية، بهدف تحديد الاحتياجات ودراسة الخيارات المتاحة والتنسيق مع الجالية المسلمة. وتضم المساحة المخصصة للدفن الإسلامي هناك 2240 مكانًا.

وعلى الصعيد الأوروبي، يشير التقرير إلى أن إسبانيا توفر مساحة للدفن الإسلامي بمعدل موقع واحد لكل 60 ألفًا و500 شخص، وهي نسبة أقل من نظيراتها في ألمانيا وبلجيكا وفرنسا والمملكة المتحدة وهولندا. في المقابل، تواجه إيطاليا وضعًا أكثر صعوبة، إذ يبلغ المعدل فيها مساحة واحدة لكل 116 ألف شخص.

زيادة متوقعة في الطلب بعد عام 2030

وحذرت جمعية «دفن كريم» من احتمال ارتفاع الطلب على المقابر الإسلامية خلال السنوات المقبلة، مع تقدم الجيل الأول من المهاجرين الذين وصلوا إلى إسبانيا بين عامي 1990 و2005 في العمر. وتتراوح أعمار أفراد هذه الفئة حاليًا بين 45 و65 عامًا، ما يرجح زيادة الحاجة إلى أماكن الدفن خلال الفترة الممتدة بين عامي 2030 و2035.

وأكدت ميسون دواس أهمية التحرك المبكر لتفادي تحول النقص الحالي إلى أزمة أكثر تعقيدًا، مشددة على أن التخطيط المسبق من شأنه المساعدة في تحديد المواقع المناسبة وتوسيع الطاقة الاستيعابية بما يتناسب مع الاحتياجات المستقبلية.

وتسلط هذه الأزمة الضوء على مطالب الجالية المسلمة في إسبانيا بضمان حقها في دفن موتاها وفقًا لشعائرها الدينية، بما يتيح للأسر توديع ذويها بما يتوافق مع معتقداتها، دون تحمل مشقة السفر لمسافات طويلة بحثًا عن مكان شاغر، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى حلول مستدامة تضمن توافر أماكن الدفن وتوزيعها بصورة أكثر عدالة بين المناطق الإسبانية.