أخبار

الدكتور أمين لطفي يكتب: من سد فجوة التأهيل إلى إعادة بناء الإنسان وصناعة دولة الكفاءة

17 أكتوبر 2026 07:26 م

الدكتور أمين لطفي رئيس جامعة بني سويف الأسبق

هل تكفي الشهادة الجامعية لصناعة مسؤول كفء؟ وماذا تستفيد الدولة من قاضٍ يعرف القانون دون امتلاك مهارات إدارة المسؤولية، أو مراقب مالي يكتشف المخالفة دون إدراك مخاطرها، أو موظف يحفظ الإجراءات ويعجز عن اتخاذ القرار؟ والأهم: لماذا تتعثر بعض المؤسسات رغم توافر الموارد والتشريعات والكفاءات؟

إنها أسئلة تكشف حقيقة جوهرية: الدولة لا تُبنى بكثرة المشروعات والمؤسسات وحدها، وإنما بكفاءة الإنسان القادر على تحويل المعرفة والموارد إلى إنجاز.

ومن هنا تبرز الأهمية الاستراتيجية للدور المدني الجديد للأكاديمية العسكرية المصرية، الذي أكد عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال تخريج الدورة السادسة للجهات والهيئات القضائية في سبتمبر 2026، مشددًا على بناء الشخصية المتوازنة وتأهيل الإنسان ومتابعة أدائه بعد التخرج.

فنحن أمام فرصة للانتقال من تدريب الموظف إلى صناعة الكفاءة المؤسسية، ومن إعداد الخريج للوظيفة إلى إعداده لتحمل مسؤولية الدولة.

الداء.. أزمة في منظومة صناعة الكفاءة

لا تعاني مصر نقصًا في الشهادات والتخصصات بقدر ما تواجه فجوة بين المعرفة الأكاديمية والجدارة المهنية، تتجسد في ثلاث مشكلات مترابطة: تأهيل لا يضمن التطبيق، واختيار لا يكشف دائمًا القدرة الحقيقية، وأداء مؤسسي تتعثر فيه نتائج الأكفاء بسبب ضعف التنسيق وتداخل المسؤوليات.

وهكذا قد تمتلك المؤسسة أفرادًا متميزين، بينما تظل نتائجها محدودة؛ لأن كفاءة الفرد لا تتحول تلقائيًا إلى كفاءة جماعية.

وقد أكد تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن الإدارة العامة المصرية عام 2024 أهمية ربط الجدارة والتأهيل وتقييم الأداء والتنسيق المؤسسي بإصلاح الإدارة العامة.

إذن، فالداء ليس ضعف الخريج وحده، وإنما انقطاع سلسلة الكفاءة بين الجامعة والاختيار والتأهيل والتعيين والأداء والمساءلة. ولا تستطيع دورة تدريبية تقليدية معالجة هذا الانقطاع.

لماذا الأكاديمية العسكرية تحديدًا؟

تمتلك مصر جامعات عريقة ومؤسسات تدريب متخصصة، لكن الإضافة النوعية للأكاديمية تكمن في قدرتها على الجمع بين الانضباط والتدريب العملي وبناء الشخصية والقيادة والعمل الجماعي واختبار المسؤولية تحت الضغط.

وتتضاعف القيمة عندما يجتمع مرشحون للقضاء والرقابة والمالية والدبلوماسية وغيرها داخل بيئة تأهيلية مشتركة، فيتعلم كل منهم فهم الدولة باعتبارها منظومة متكاملة، لا جزرًا مؤسسية منعزلة.

ويمكن البناء على الجمع بين المحتوى المشترك والمحتوى التخصصي، بما يحقق وحدة القيم مع احترام اختلاف المهن.

والمقصود ليس إضفاء الطابع العسكري على الوظيفة المدنية، بل نقل منهجية الانضباط والجدارة إلى الأداء المدني دون المساس باستقلال القضاء أو خصوصية المهن أو حرية التقدير المهني.

الدواء.. مشروع وطني لإعادة بناء الإنسان

لتحويل هذا الدور إلى نموذج غير مسبوق، أقترح تأسيس منظومة وطنية متكاملة للجدارة المدنية تقوم على خمس حلقات:

  • أولًا: تشخيص الجدارة قبل التأهيل. بوضع خرائط دقيقة لقدرات كل وظيفة، واختبارات عملية عادلة تكشف الفجوة بين المؤهلات ومتطلبات المسؤولية.
  • ثانيًا: تكامل التأهيل المشترك والتخصصي. لبناء النزاهة والقيادة وإدارة الأزمات والتحول الرقمي، بالتوازي مع تأهيل مهني تصممه الجهات المدنية المختصة.
  • ثالثًا: التدريب على القرار لا استظهار المعلومات. من خلال مواقف واقعية تتعلق بالأزمات والمخالفات المالية وتعارض المصالح والتنسيق الحكومي، مع تقييم مشروعية القرار وجودته وآثاره.
  • رابعًا: متابعة الخريجين بعد التعيين. بقياس الأداء بعد ثلاثة أشهر وعام وثلاثة أعوام، للتمييز بين مجرد النجاح في التدريب والقدرة الحقيقية على تحسين العمل.
  • خامسًا: إعادة توظيف النتائج. بحيث تعود فجوات الأداء المكتشفة إلى الجامعات والأكاديمية والجهات الحكومية لتطوير المناهج والتدريب والإجراءات.

وهنا يتحقق التحول الجوهري: أن يصبح أداء الخريج معيارًا لجودة التأهيل، وأن تتحول نتائج التأهيل إلى أداة مستمرة لإصلاح مؤسسات الدولة.

وتقدم تجارب سنغافورة وفرنسا وبريطانيا دروسًا مهمة في إعداد القيادات العامة وتطوير الجدارة والتنسيق المؤسسي، بينما تتمثل الفرصة المصرية في دمج هذه المبادئ داخل نموذج وطني يحترم الاختصاصات المدنية.

الأثر.. من كفاءة الفرد إلى كفاءة الدولة

لا يُقاس نجاح التجربة بعدد المتدربين أو الخريجين، بل بما يتغير فعليًا في مؤسساتهم.

فخلال العام الأول، ينبغي رصد تحسن الاستعداد الوظيفي وجودة القرارات وانخفاض أخطاء الممارسة المبكرة.

وخلال عامين إلى خمسة أعوام، يُنتظر تحسن التنسيق بين الجهات، وسرعة إنجاز الخدمات، وكفاءة الموارد، مع ضمان المشروعية وحماية حقوق المواطنين.

أما خلال خمس إلى عشر سنوات، فيتمثل العائد الاستراتيجي في بناء أجيال قيادية مؤهلة، وترسيخ الجدارة في التعيين والترقي، وتقليل تكاليف التعثر الإداري، وتعزيز ثقة المواطن ومناخ الاستثمار.

ولضمان جدية النتائج، يجب اعتماد مؤشرات تقارن الأداء قبل التأهيل وبعده، وتفصل أثر التدريب عن أثر اختيار المرشحين، وتقيس العائد المؤسسي مقابل التكلفة.

من بناء الإنسان إلى صناعة دولة الكفاءة

إن القيمة التاريخية المحتملة للدور الجديد للأكاديمية ليست في إضافة محطة تدريبية قبل التعيين، وإنما في إقامة شراكة وطنية تربط الجامعات والأكاديمية ومؤسسات الدولة بمنظومة واحدة للتأهيل والتطوير والمساءلة.

فالدولة القوية ليست التي تمتلك أكبر عدد من الموظفين المؤهلين، وإنما التي تستطيع تحويل كفاءاتهم الفردية إلى قدرة مؤسسية مستدامة.

وعندما يصبح المواطن هو المستفيد الحقيقي من جودة القرار وسرعة الخدمة ونزاهة الأداء، تكون الأكاديمية قد تجاوزت وظيفة التأهيل إلى الإسهام في إعادة بناء الإنسان وصناعة دولة الكفاءة.

فبناء الإنسان ليس غاية تعليمية فحسب، بل هو الاستثمار السيادي الأعمق في مستقبل الدولة المصرية.