بعد الخضوع لجراحة سرطان الثدي، لا يقتصر التعافي على التئام الجرح واستعادة النشاط اليومي، بل يمتد إلى الاهتمام ببعض التفاصيل الصحية التي قد تؤثر في جودة حياة المريضة، من بينها العناية بالذراع الموجودة في ناحية استئصال الغدد الليمفاوية تحت الإبط.
وتأتي أهمية التوعية بما يُعرف بمفهوم «دراعي خط أحمر»، الذي لا يعني منع استخدام الذراع أو الخوف من تحريكها، وإنما الانتباه إلى التغيرات التي قد تظهر بعد الجراحة، والتعرف إلى العلامات المبكرة للمضاعفات، والتعامل معها بطريقة صحيحة.
ما علاقة استئصال الغدد الليمفاوية بتورم الذراع؟
قال الدكتور عبد السلام شلبي، استشاري جراحة الأورام ورئيس قسم جراحة الأورام بمستشفى بولاق العام، إن الذراع الموجودة في ناحية استئصال الغدد الليمفاوية لدى مريضات سرطان الثدي تحتاج إلى اهتمام خاص، مع ضرورة مراقبة أي تغيرات قد تظهر بعد الجراحة.
ووفقًا للجمعية الأمريكية للسرطان (American Cancer Society)، فإن إزالة الغدد الليمفاوية الموجودة تحت الإبط، أو تأثرها بالعلاج الإشعاعي، قد يؤدي إلى اضطراب تصريف السائل الليمفاوي، ما يتسبب في تراكمه داخل الأنسجة وظهور حالة تُعرف باسم «التورم الليمفاوي» (Lymphedema).
وقد يظهر هذا التورم في الذراع أو اليد أو منطقة الصدر، لكنه لا يصيب جميع المريضات، إذ تتباين احتمالات حدوثه تبعًا لنوع الجراحة، وعدد الغدد الليمفاوية التي أُزيلت، والتعرض للعلاج الإشعاعي، إلى جانب عوامل أخرى، من بينها الوزن.
التورم الليمفاوي قد يظهر بعد سنوات من الجراحة
من المفاهيم المهمة التي ينبغي أن تعرفها مريضة سرطان الثدي أن التورم الليمفاوي لا يظهر بالضرورة خلال الفترة الأولى بعد الجراحة، فقد تبدأ أعراضه بعد أسابيع أو أشهر، أو حتى بعد مرور سنوات على انتهاء العلاج.
وتوضح الجمعية الأمريكية للسرطان أن خطر الإصابة بهذه المشكلة قد يستمر على المدى الطويل، ما يجعل الانتباه إلى التغيرات الجديدة أمرًا ضروريًا، حتى إذا مرت فترة التعافي الأولى دون مضاعفات.
وتشمل أبرز العلامات التي تستدعي الانتباه:
ظهور تورم جديد في الذراع أو اليد.
الشعور بالثقل أو الامتلاء أو الشد في الطرف المصاب.
الإحساس بالألم أو التنميل أو عدم الراحة.
انخفاض مرونة المفاصل أو صعوبة تحريك الذراع كالمعتاد.
حدوث احمرار أو سخونة في الجلد، خاصة إذا صاحبهما ألم أو تورم، لاحتمال وجود عدوى تستدعي التقييم الطبي سريعًا.
ولا يعني ظهور هذه الأعراض بالضرورة الإصابة بالتورم الليمفاوي، لكنها تستدعي مراجعة الطبيب لتحديد السبب والحصول على الرعاية المناسبة.
قياس ضغط الدم وسحب العينات.. هل يشكلان خطرًا؟
تتساءل كثير من مريضات سرطان الثدي عما إذا كان ينبغي الامتناع تمامًا عن قياس ضغط الدم أو سحب عينات الدم أو تلقي الحقن في الذراع الموجودة في ناحية الجراحة.
ووفقًا لتوصيات المعهد الوطني للتميز في الصحة والرعاية بالمملكة المتحدة (NICE)، التي حُدثت عام 2025، لا تتوافر أدلة متسقة تثبت أن هذه الإجراءات الطبية تزيد خطر الإصابة بالتورم الليمفاوي لدى جميع المريضات.
وتؤكد هذه التوصيات أهمية اتخاذ القرار وفقًا للحالة الصحية لكل مريضة، وتقييم الطبيب، مع مراعاة تفضيلاتها ومدى توافر بدائل مناسبة.
أما المريضات اللاتي يعانين بالفعل من التورم الليمفاوي، فينبغي لهن اتباع إرشادات الفريق الطبي المعالج بشأن الإجراءات الطبية والعناية بالطرف المصاب.
وبالتالي، لا يصح اعتبار قياس الضغط أو سحب الدم من الذراع المعنية ممنوعًا بصورة مطلقة في جميع الحالات، كما لا ينبغي تجاهل التقييم الطبي عند وجود عوامل خطورة أو أعراض قائمة.
خطوات بسيطة تساعد على حماية الذراع بعد الجراحة
تبدأ العناية بالذراع بالحفاظ على سلامة الجلد وتقليل فرص حدوث الإصابات والالتهابات، إلى جانب الانتباه إلى أي تغيرات غير معتادة.
ومن أهم الخطوات التي يمكن اتباعها:
الاهتمام بنظافة الجلد: تنظيف الجلد والعناية به، مع استخدام المرطبات المناسبة عند الحاجة لتجنب الجفاف والتشقق.
التعامل الصحيح مع الجروح والخدوش: تنظيف أي إصابة بطريقة مناسبة ومراقبتها، وعدم إهمال علامات الالتهاب.
مراقبة التغيرات الجديدة: الانتباه إلى التورم أو الاحمرار أو السخونة أو الألم، واستشارة الطبيب عند ظهورها.
طلب المساعدة عند الاشتباه في العدوى: خاصة إذا صاحبت الأعراض حمى أو قشعريرة، إذ قد تتطلب العدوى علاجًا عاجلًا.
الحفاظ على الحركة والنشاط البدني: وفقًا لتعليمات الفريق المعالج، دون افتراض أن الذراع يجب أن تظل ساكنة أو أن استخدامها المعتاد يسبب الضرر.
وتشير إرشادات المعهد الوطني للتميز في الصحة والرعاية إلى أن النشاط البدني وتمارين الطرف العلوي لا تسبب التورم الليمفاوي أو تزيده، وقد تسهم في تحسين الحركة وجودة الحياة. ومع ذلك، ينبغي مراعاة مرحلة التعافي والحالة الصحية لكل مريضة عند تحديد طبيعة التمارين وشدتها.
«دراعي خط أحمر».. وعي صحي وليس منعًا للحركة
لا تعني العناية بالذراع بعد جراحة سرطان الثدي تجنب استخدامها أو التعامل معها باعتبارها منطقة محظورة، وإنما تعني فهم المخاطر المحتملة، والاهتمام بسلامة الجلد، ومراقبة الأعراض التي قد تشير إلى مشكلة صحية.
وتظل معرفة العلامات المبكرة للتورم الليمفاوي والعدوى، والتواصل مع الفريق الطبي عند ظهور أي تغيرات غير معتادة، من أهم الخطوات التي تساعد المريضة على حماية صحتها واستعادة أنشطتها اليومية بثقة وأمان بعد العلاج.
