استغاثات وصرخات ودموع لا تجد طريقا إلى النوم، تحملها نحو 22 من ضحايا معرض «بخشب» للمطابخ والأثاث إلى المستشار محمد شوقي، النائب العام، بعدما تحولت أحلام تجهيز المنازل وفرحة الزواج، بحسب روايتهم، إلى رحلة شاقة بين أقسام الشرطة والنيابات ومكاتب المحامين، بحثا عن أموال يقولون إنها دفعت مقابل مطابخ وأثاث لم يتم تسليمه وفقا لما تم الاتفاق عليه.
من أمام معرض «بخشب» بمول فاليو 2، جاردينيا هايتس 2، بالتجمع الثالث، بدأت الحكاية بالنسبة لهؤلاء الضحايا، كما يقولون، بحلم بسيط، منزل يكتمل، مطبخ يصل في موعده، عروس تستعد لفرحتها، وأسرة تدفع ما جمعته من مدخرات وهي مطمئنة إلى أن ما تعاقدت عليه سيصل إليها في الموعد المحدد، لكن المشهد تغير، وتحولت الفرحة إلى صدمة، ثم إلى محاضر وبلاغات واستغاثات.
اليوم، يقول الضحايا إنهم يعيشون المفارقة الأصعب، هو ينعم بأموالنا، ونحن تزداد معاناتنا يوما بعد يوم في البحث عن حقوقنا، ننتقل من قسم الشرطة إلى النيابة، ومن النيابة إلى مكاتب المحامين، ندفع أموالا جديدة حتى نستطيع المطالبة بأموالنا التي دفعناها من البداية.
ليست تلك الكلمات مجرد شكوى عابرة، وإنما تلخص، بحسب روايتهم، معاناة أسر تقول إن مدخراتها تبخرت، وإنها أصبحت مطالبة ليس فقط باسترداد أموالها، وإنما أيضا بتحمل تكاليف المحامين والانتقالات والإجراءات، بينما لا تزال الحقيقة الكاملة محل تحقيق أمام جهات التحقيق المختصة.
وتشير الاستغاثات إلى أن المشكو في حقه هو «ي. ع. ع. م.»، صاحب معرض «بخشب»، وأن 22 شخصا تقدموا ببلاغات أو ارتبطوا بالوقائع محل الشكاوى، فيما يقول الضحايا إن إجمالي الأموال محل البلاغات يقترب من خمسة ملايين جنيه، وهو رقم يطالبون بالتحقق منه رسميا من خلال حصر جميع المتضررين وفحص العقود والإيصالات والتحويلات.
وتجري التحقيقات، بحسب ما أفاد به أصحاب البلاغات، أمام المستشار محمد عبد الله، وكيل النائب العام بالتجمع الخامس بمحكمة القاهرة الجديدة بالدور الرابع، حيث يأمل الضحايا أن تكشف التحقيقات جميع أبعاد الواقعة، وألا تظل كل واقعة منفصلة عن الأخرى إذا ثبت وجود صلة بينها.
ويضع الضحايا أمام المستشار محمد شوقي، النائب العام، مجموعة من الوقائع والمستندات التي يطالبون بفحصها، من بينها المحضر رقم 6467 جنح القطامية لسنة 2026، والمحضر رقم 6221 جنح القطامية لسنة 2026، إلى جانب القضية رقم 19459 لسنة 2023 جنح العجوزة، والقضية رقم 1890 لسنة 2024، مطالبين بالتحقق من مدى ارتباط هذه الوقائع بعضها ببعض وبالمشكو في حقه.
وبحسب ما يرويه الضحايا، فإن القبض على المشكو في حقه وصدور قرار بحبسه أربعة أيام على ذمة التحقيقات فتح أمامهم بابا جديدا من الأمل في أن يتم فحص الصورة كاملة، وليس واقعة منفردة، مع البحث عما إذا كان هناك ضحايا آخرون لم يتمكنوا حتى الآن من الوصول إلى جهات التحقيق.
لكن أكثر ما يشغل أصحاب البلاغات الآن هو السؤال الذي يطاردهم جميعا: أين ذهبت أموالنا؟
فالضحايا يطالبون بفحص التحويلات المالية التي تمت إلى الرقم 01050798782، والذي يظهر في بعض مستندات التحويل، بحسب قولهم، باسم «ح. ي.»، وكذلك التحويلات التي تمت عبر محفظة فودافون كاش المرتبطة بالرقم 01050798780، والتي يقولون إنها تظهر باسم «ي. ع. ع. م.»، مطالبين بالتحقق من أصحاب الحسابات والمحافظ وحركة الأموال التي تمت من خلالها.
ويرى أصحاب البلاغات أن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تأتي إلا من خلال الفحص الرسمي للتحويلات البنكية والمحافظ والإيصالات والعقود والمراسلات، وتتبع المسار المالي للأموال محل التحقيق، وهو أمر يظل خاضعا لما تسفر عنه التحقيقات والبيانات الرسمية.
ولا تتوقف علامات الاستفهام عند الأموال، إذ يطالب الضحايا أيضا بفحص بيانات تجارية ظهرت، بحسب قولهم، على بعض المستندات والفواتير، وتحمل رقم سجل تجاري 69492 وبطاقة ضريبية رقم 858-910-721، ويقولون إن هذه البيانات تعود إلى شخص آخر بمحافظة السويس يدعى «م. ص.».
ومن هنا يطالب أصحاب البلاغات بالتحقق من صاحب هذه البيانات، واستدعائه إذا رأت جهات التحقيق ضرورة لذلك، وفحص حقيقة استخدام بيانات السجل والبطاقة الضريبية والأختام التي ظهرت على المستندات، وتحديد المسؤول عن استخدامها ومدى صلتها بالواقعة، إذا ثبت بالفعل عدم ارتباط صاحب البيانات بالتعاملات محل البلاغات.
وفي الجانب الإنساني من القصة، تبدو الخسارة أكبر من قيمة الأموال نفسها، فهناك أسرة تقول إن أموالها كانت مخصصة لتجهيز منزل، وأخرى كانت تنتظر مطبخ منزل الزوجية، وأخرى دفعت من مدخرات سنوات من العمل، قبل أن تجد نفسها أمام أبواب الأقسام والنيابات، ثم أمام أتعاب المحامين ومصاريف الإجراءات.
وهكذا وجد الضحايا أنفسهم، بحسب روايتهم، في دائرة لا تنتهي، ندفع أولا ثمن المطبخ والأثاث، ثم ندفع مرة أخرى ثمن الانتقال بين الأقسام والنيابات، ثم نضطر إلى توكيل محامين حتى نبحث عن حقوقنا، بينما الأموال التي دفعناها من عرقنا ومدخراتنا لا تزال محل مطالبة وتحقيق.
ويقول بعض أصحاب البلاغات إنهم استخدموا وصف «مستريح جديد» في حديثهم عن المشكو في حقه، إلا أن هذا التعبير يظل وصفا صادرا عن أصحاب الشكاوى، ولا يمثل حكما قضائيا، فيما تبقى مهمة تحديد حقيقة الوقائع والمسؤوليات للنيابة العامة والقضاء وفقا لما تسفر عنه التحقيقات والأدلة.
ومن هنا تأتي الاستغاثة إلى النائب العام، ليس فقط لفحص واقعة عدم تنفيذ تعاقدات، وإنما، بحسب مطالب الضحايا، لحصر الصورة كاملة، ومعرفة عدد المتضررين، وتحديد قيمة الأموال، وفحص العقود والإيصالات والتحويلات والمراسلات، والتحقق من البيانات التجارية والأختام، وتتبع الأموال متى كان ذلك متاحا قانونا، واتخاذ ما تراه النيابة العامة من إجراءات في ضوء ما تسفر عنه التحقيقات.
إن المشهد الذي يقدمه هؤلاء الضحايا للنائب العام يحمل وجعا لا تختصره أرقام المحاضر، فخلف كل محضر أسرة، وخلف كل تحويل مالي قصة كفاح، وخلف كل مبلغ دفعه صاحبه شهورا وربما سنوات من العمل والادخار، وخلف كل عروس حلم بأن تدخل بيتها الجديد وهي مطمئنة.
أما اليوم، فتقول الأسر إنها لا تريد أكثر من إجابة واضحة عن سؤال واحد: أين أموالنا، ومتى تعود حقوقنا؟
ويقول الضحايا إنهم يثقون في النيابة العامة وفي قدرتها على فحص كل مستند وكل تحويل وكل واقعة، مؤكدين أن مطلبهم الأساسي هو الوصول إلى الحقيقة، وأن يحصل كل صاحب حق على حقه وفقا للقانون، وأن تتوقف معاناتهم التي يقولون إنها امتدت من معرض للمطابخ والأثاث إلى أقسام الشرطة والنيابات ومكاتب المحامين.
ويبقى أملهم الأخير أن تصل صرخاتهم إلى المستشار محمد شوقي، النائب العام، وأن تكون الاستغاثة بداية لكشف كامل للحقيقة، فبينما يقول الضحايا إن أموالهم غابت عن أيديهم، فإن معاناتهم لم تغب يوما، بل تزداد كلما اضطروا إلى فتح ملف جديد، أو تحرير محضر جديد، أو دفع أتعاب محام جديد، بحثا عن أموال يقولون إنها كانت يوما مدخرات أسر، وأحلام عرائس، وبدايات حياة جديدة.
