القصة الكاملة

أمين لطفي رئيس جامعة بني سويف السابق يكتب:"هيبة الدولة.. وكرامة المعلم" معادلة لا ينبغي أن يخسر فيها أحد

16 سبتمبر 2026 06:57 م

أ. د. أمين لطفي رئيس جامعة بني سويف السابق

لا شك ان هناك وقائع تمر في الأخبار كما تمر سحابة صيف، ثم تختفي. وهناك وقائع أخرى تفتح، من حيث لا يقصد أصحابها، باباً أكبر من تفاصيلها. 

وجولة محافظ القليوبية الأخيرة على عدد من المدارس الحكومية تنتمي إلى النوع الثاني. فالمشهد بدأ بجولة تفقدية هدفها المعلن التأكد من جاهزية المدارس، وانتهى بسلسلة متتابعة من التوبيخ، والجدل، والتكريم، والتضامن، ثم تكريم آخر لشخصية كان اسمها في قلب الواقعة، بما جعل السؤال أكبر من أسماء الأشخاص وأكبر من مدرسة هنا أو مدرسة هناك..

أن المسألة التي تستحق أن نتوقف عندها ليست: من كان على حق؟ ولا: هل كان المحافظ شديداً أكثر مما ينبغي؟ ولا: هل كان مدير المدرسة أو مديرة المدرسة مقصرين أم مجتهدين؟ هذه أسئلة مهمة في التحقيق الإداري، لكنها ليست وحدها ما يهم الرأي العام. السؤال الأهم هو: كيف ينبغي أن تعمل مؤسسات الدولة عندما تلتقي في المكان نفسه مسؤولية المحافظ عن المحافظة، واختصاص وزارة التربية والتعليم عن المدارس والعاملين بها، ومسؤولية مدير المدرسة عن إدارة منشأته، ومسؤولية الجهات المختصة بالصيانة والأبنية والمرافق والتمويل؟

وفي الواقعة محل النقاش، كان المحافظ يتفقد الاستعداد للعام الدراسي ويرصد النظافة والصيانة والمرافق وجاهزية المدارس. وهذه مهمة لا يمكن لأحد أن يقلل من أهميتها؛ فالمدرسة قبل أن تكون كتاباً وفصلاً وحصة، هي بيئة يجب أن تكون آمنة ونظيفة وصالحة لاستقبال أبنائنا. وفي المقابل، ظهر مدير ومديرة مدرستين يقدمان روايتهما عن واقع العمل، وعن المخاطبات والاحتياجات والإمكانات المتاحة. وتكشفت أمام الجمهور فجوة أعمق: أحياناً يُطلب من مدير المدرسة أن يحقق نتيجة كاملة بأدوات ليست كلها في يده.

وهنا تبدأ القضية الحقيقية. فالدولة الحديثة لا تقاس فقط بقدرتها على اكتشاف الخطأ، وإنما بقدرتها على معرفة مصدره، وتحديد المسؤول عنه، وإصلاحه، ومنع تكراره. أما أن نرى العيب ثم نبحث سريعاً عن شخص نحمّله العيب كله، فذلك قد يحقق لحظة انضباط، لكنه لا يبني بالضرورة نظاماً تعليمياً أكثر كفاءة.

ولأن المشهد خرج إلى الكاميرات، أصبح التوبيخ نفسه جزءاً من القصة. لم يعد الأمر ملاحظة إدارية داخل مدرسة، وإنما صورة شاهدها الناس، ثم جاء بعدها تكريم وزير التربية والتعليم لمدير ومديرة المدرستين، وتكريم نقابة المعلمين لهما، ثم تكريم من أحد رجال الأعمال، وفي الوقت نفسه تقريباً ظهر خبر تكريم جامعة القاهرة لمحافظ القليوبية في «يوم الوفاء» تقديراً لمسيرته الجامعية السابقة.

وهنا لا بد من قدر كبير من الإنصاف: لا يوجد في المواد التي بين أيدينا ما يثبت أن تكريم جامعة القاهرة كان رداً على تكريم المدير والمديرة، ولا ما يثبت وجود تنسيق أو رسالة متبادلة بين المؤسستين. فالجامعة قدمت التكريم باعتباره وفاءً لمحافظ القليوبية باعتباره عميد كلية الهندسة السابق وإسهاماته في مسيرته الجامعية. لكن تزامن الأحداث جعل المشهد قابلاً لأن يقرأه الجمهور بهذه الطريقة، وهذه بالضبط هي النقطة التي تستحق أن نتعلم منها.

حين تتعدد جهات التقييم.. تتعدد الرسائل

وليس بخاف فان  أخطر ما في مثل هذه الوقائع ليس اختلاف وجهات النظر في حد ذاته. الاختلاف المهني صحي، بل ضروري. المحافظ من حقه أن يطالب بالانضباط، وأن يسأل لماذا توجد مشكلة في مدرسة، ولماذا لم تُعالج، ومن المسؤول عن تأخر الحل. ووزارة التربية والتعليم من حقها، بل من واجبها، أن تحمي كرامة العاملين بها، وأن تراجع أي واقعة تتعلق بمديري المدارس والمعلمين، وأن تكرم من ترى أنهم قدموا جهداً يستحق التقدير. والنقابة من حقها أن تدافع عن أعضائها وأن تطالب بأن تتم المحاسبة وفق الأطر القانونية والمهنية.

لكن المشكلة تبدأ عندما تصل هذه الرسائل إلى المجتمع من دون أن يرى الناس خيطاً مؤسسياً واضحاً يجمعها. فالمواطن العادي الذي شاهد مسؤولاً تنفيذياً يوبخ مديراً أو مديرة، ثم شاهد الوزير يكرمهما، ثم شاهد النقابة تكرمهما، ثم شاهد تكريماً مجتمعياً آخر، ثم شاهد جامعة عريقة تكرم المحافظ نفسه، قد لا يرى وراء كل حدث سياقه المؤسسي المختلف؛ وإنما قد يرى فقط صورة متناقضة: جهة تقول إن هناك تقصيراً، وجهة أخرى تقول إن هناك إخلاصاً يستحق التكريم.

وهنا يجب أن ننتبه إلى أن التكريم ليس دائماً حكماً على واقعة بعينها، كما أن الملاحظة الميدانية ليست دائماً حكماً نهائياً على الموظف. قد يكون مدير المدرسة مسؤولاً عن النظافة والانضباط داخل حدود إمكاناته، بينما تكون مشكلة المقاعد أو الصيانة الإنشائية أو المرافق بحاجة إلى جهة أخرى. وقد يكون المحافظ محقاً في أن بعض الملاحظات لا يجوز أن تبقى بلا متابعة، بينما يكون المدير محقاً في أنه خاطب الجهات المختصة ولم يتلق الاستجابة الكافية. وقد تكون النتيجة الصحيحة، في كثير من الحالات، أن الاثنين معاً يملكان جزءاً من الحقيقة.

أن المواد التي بين أيدينا تقدم مثالاً واضحاً على ذلك. فبشأن مديرة مدرسة الشهيد أحمد سمير، ظهرت روايتها بأنها ووكيلة المدرسة تحملتا نفقات من مالهما الخاص لمعالجة احتياجات أساسية، بينما نقلت مواد أخرى توضيح المحافظ بأن الصرف لم يثبت بالطريقة التي عرضت بها الرواية، وأن المراجعة أظهرت في الوقت نفسه وجود مخاطبات رسمية من المديرة للإدارة التعليمية بشأن الأزمات، ولذلك لم يُتخذ ضدها إجراء عقابي. هذه الجزئية وحدها تكشف أن الصورة الإدارية لا تختصرها لقطة فيديو.

وبشأن مدير المدرسة فقد  ، أوضح المحافظ أن سبب الاستبعاد، وفق روايته، لم يكن ارتداء الجلباب، وإنما ما اعتبره تقاعساً عن طلب الدعم وعدم التحرك لمعالجة احتياجات المدرسة. وهنا أيضاً توجد قضية مهنية تستحق النقاش: إذا كان مدير المدرسة عاجزاً عن معالجة مشكلة لا يملك ميزانيتها أو اختصاصها، فهل المعيار هو النتيجة وحدها؟ أم يجب أن يدخل في التقييم حجم ما قام به من مخاطبات وتصعيد ومتابعة وطلبات دعم؟

إننا في حاجة إلى الانتقال من ثقافة «من المخطئ؟» إلى ثقافة «أين تعطل المسار؟». الفرق بين السؤالين كبير. الأول يبحث عن شخص. الثاني يبحث عن خلل يمكن إصلاحه..

والأهم أن المحافظ نفسه ليس غريباً عن عالم التعليم. فبحسب المواد المرفقة، هو عميد سابق لكلية الهندسة بجامعة القاهرة، وتكريمه في «يوم الوفاء» جاء تقديراً لمسيرته الجامعية. وهذه الخلفية الأكاديمية تجعل الواقعة أكثر دلالة، لأنها تضع أمامنا مسؤولاً تنفيذياً يملك خبرة في التعليم العالي، وفي الجهة الأخرى مديرين ومديرة يمثلون وزارة التربية والتعليم في الميدان. أي أننا لسنا أمام صراع بين خبير» و«غير خبير، وإنما أمام خبرات مختلفة تحتاج إلى أن تتكامل.

الداء الحقيقي: فجوة بين المسؤولية والقدرة

أحياناً يكون الخلل في المدرسة واضحاً أمام العين، لكن المسؤولية عن علاجه موزعة بين أكثر من مستوى. النظافة قد تكون في جانب منها مسؤولية المدرسة والجهة المحلية. الصيانة الإنشائية قد ترتبط بجهات فنية وتمويلية. المرافق قد تحتاج إلى تدخلات تتجاوز قدرة المدرسة. نقص العمالة له مسار إداري. توفير الأثاث له إجراءات وتوقيتات وميزانيات. وعندما لا يكون هذا التوزيع واضحاً أمام المدير والمواطن والمسؤول، يصبح مدير المدرسة في وضع صعب: يُحاسب على النتيجة، بينما لا يملك كل الأدوات التي تصنع النتيجة.

هذه ليست دعوة إلى إعفاء المديرين من المسؤولية. بالعكس. مدير المدرسة يجب أن يكون أول من يلاحظ، وأول من يبلغ، وأول من يتابع، وأول من يمنع ما يستطيع منعه بإمكاناته الفعلية. لكن يجب في المقابل أن تكون هناك قاعدة بسيطة وعادلة: «لا مسؤولية بلا صلاحية، ولا صلاحية بلا مساءلة». فإذا كانت هناك صلاحية في يد المدير، فليحاسب عليها. وإذا كانت المشكلة خارج صلاحياته، فيجب أن يكون قد أبلغ عنها وطلب الدعم، ثم تتحمل الجهة صاحبة الاختصاص مسؤوليتها.

وهذه القاعدة لو طبقت بصرامة وهدوء ستوفر على الدولة كثيراً من الأزمات. وهي أيضاً تحمي المسؤول الأعلى من الظلم، وتحمي المسؤول الأدنى من الظلم. فالمحافظ الذي يدخل مدرسة يجب أن يعرف أن هدف الجولة ليس صناعة مشهد، وإنما اكتشاف المشكلة وتحريك ماكينة الحل. والمدير الذي يستقبل المسؤول يجب أن يعرف أن الجولة ليست تهديداً، وإنما فرصة لإظهار ما أنجزه وما يحتاج إليه. والوزارة يجب أن تكون حاضرة في الخلفية لتربط بين الملاحظة الميدانية والقرار الفني والتمويلي.

أما تحويل الجولة التفقدية إلى مادة مصورة يتم تداولها قبل اكتمال التحقيق أو فهم الملابسات، فله أثر آخر لا يتعلق بالمدير وحده. إنه يغير سلوك المنظومة كلها. الموظف الذي يخشى الإهانة العلنية قد يصبح أكثر حرصاً على إخفاء المشكلة بدلاً من الإبلاغ عنها. والمدير الذي يعرف أن كل نقص سيظهر في مقطع مصور قد يميل إلى الحلول المؤقتة بدلاً من رفع المشكلة إلى صاحب الاختصاص. وفي النهاية نخسر أهم شيء: الصراحة الإدارية.

وهذا لا يعني رفض التصوير أو الشفافية. بالعكس، الشفافية مطلوبة، والمواطن من حقه أن يعرف ما يجري في مؤسسات التعليم. لكن الشفافية شيء، والتشهير شيء آخر. والمساءلة شيء، والإهانة شيء آخر. والصرامة شيء، ورفع الصوت على الموظف أمام الكاميرات شيء آخر. الدولة القوية لا تحتاج إلى إذلال موظف حتى تثبت أنها قوية.

وفي الاتجاه المقابل، لا ينبغي أن يتحول الدفاع عن كرامة المعلم إلى حصانة من المحاسبة. فكرامة المعلم لا تعني أن المدرسة يمكن أن تكون غير نظيفة، أو أن الصيانة يمكن أن تتعطل، أو أن المدير يستطيع تجاهل الملاحظات. بل العكس تماماً: أفضل حماية لكرامة المعلم هي أن تكون المحاسبة عادلة، وأن يعرف الجميع أن المجتهد سيُقدّر، والمقصر سيُحاسب، وصاحب المشكلة التي تتجاوز قدرته سيجد من يسمعه ويعاونه.

ومن هنا كان تكريم وزير التربية والتعليم للمدير والمديرة يحمل معنى مهماً في ذاته: تقدير العاملين في الميدان. كما حمل تكريم النقابة لهما معنى الدفاع عن كرامة المهنة. لكن الرسالة الأقوى كانت ستصبح، في تقديري، لو اقترنت هذه التكريمات برسالة مؤسسية مشتركة تقول: «نحن جميعاً في مركب واحد؛ المحافظ يراقب، والوزارة تدير، والمدرسة تنفذ، والجهة المختصة تعالج، والجميع يخضع للمحاسبة المهنية»..

الدواء؟ بروتوكول واحد للجميع.. لا جزاءات ولا تكريمات متعارضة

إذا أردنا أن نحول واقعة القليوبية من أزمة عابرة إلى فرصة إصلاح، فالدواء ليس في إصدار تعليمات جديدة فقط، وإنما في بناء قواعد تمنع تكرار المشكلة. وأولى هذه القواعد أن تكون للزيارات التفقدية للمدارس آلية موحدة ومعلنة، يعرفها المحافظ، ويعرفها مدير المديرية، ويعرفها مدير المدرسة، وتعرفها الجهات الفنية والرقابية.

أن الزيارة المفاجئة يجب أن تبقى غير متوقعة  إذا كان الهدف منها قياس الواقع الحقيقي، لكن ما يحدث بعدها ينبغي أن يكون منظماً. يسجل المسؤول الملاحظات في محضر واضح، وتصنف إلى: ملاحظات تقع داخل اختصاص المدرسة، وملاحظات تحتاج إلى الإدارة التعليمية، وملاحظات تحتاج إلى المديرية، وملاحظات تحتاج إلى المحافظة أو هيئة الأبنية التعليمية أو جهة أخرى. ثم يحدد لكل ملاحظة مسؤول وزمن للإصلاح ومصدر تمويل إن كان مطلوباً. بعد ذلك تأتي المتابعة. بهذه الطريقة يتحول  التوبيخ   إلى تكليف ، ويتحول اللوم إلى حل.

والقاعدة الثانية أن تكون هناك حماية حقيقية للمبلغ عن المشكلة. إذا كان مدير المدرسة قد أرسل خطابات رسمية بشأن تسرب مياه أو عطل كهرباء أو نقص أثاث أو مشكلة إنشائية، فلا يجوز أن تضيع هذه الخطابات في الأدراج ثم يُسأل المدير لاحقاً: لماذا لم تحل المشكلة؟ وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن تكون المخاطبة الورقية ذريعة لعدم المتابعة. المطلوب هو نظام إلكتروني أو سجل متابعة يوضح: متى أبلغ المدير؟ لمن أبلغ؟ ماذا كان الرد؟ ما الإجراء الذي تم؟ ومن المسؤول عن التأخير؟

القاعدة الثالثة تتعلق بالمال

قصة إنفاق مدير أو مديرة من المال الخاص على مدرسة يجب ألا تصبح نموذجاً يُشجَّع عليه. 

حتى لو كان الدافع وطنياً ونبيلاً، فإن استمرار اعتماد المدرسة على جيب المدير أو المعلم يخلق مشكلة قانونية وإدارية وأخلاقية. المدرسة يجب أن تحصل على احتياجاتها من قنواتها الرسمية. وإذا كانت هذه القنوات بطيئة أو غير كافية، فهذه مشكلة نظام يجب علاجها، لا بطولة فردية يجب الاعتماد عليها.

القاعدة الرابعة هي الفصل بين التقييم المهني والتقييم الشخصي. لا علاقة لملابس الموظف بكفاءته ما لم توجد قواعد وظيفية محددة تنظم ذلك. ولا ينبغي أن تصبح طريقة الحديث أو الحضور أو الانفعال بديلاً عن قياس العمل بالأرقام والنتائج. نريد مدير مدرسة نقيّم أداءه بعدد المشكلات التي رصدها، وعدد ما عالجه، ونسبة ما رفعه للجهة المختصة، ومدى انتظام المدرسة ونظافتها وجاهزيتها، لا بلقطة قصيرة على شاشة هاتف.

القاعدة الخامسة، وهي الأهم، أن تتحدث مؤسسات الدولة مع بعضها قبل أن تتحدث إلى الجمهور. ليس المقصود منع كل جهة من إعلان موقفها، وإنما أن يكون هناك تنسيق مؤسسي يمنع أن تظهر الدولة أمام المواطن كأنها عدة دول صغيرة. إذا كان هناك خلاف في تقدير واقعة، فليكن الخلاف داخل غرفة العمل أولاً، وبالأدلة والملفات، ثم يخرج للناس بيان واضح يشرح ما تم التحقق منه وما لم يتم التحقق منه.

أما التكريم، فيجب أن يعود إلى معناه الجميل: مكافأة الإنجاز، لا أن يصبح أداة لتصحيح صورة أو للرد على صورة. تكريم جامعة القاهرة لمحافظ القليوبية في «يوم الوفاء» له سياقه الذي أعلنته الجامعة، وهو الوفاء لمسيرته وإسهاماته الجامعية. وتكريم وزير التربية والتعليم للمدير والمديرة له سياقه، وهو تقدير الجهد والعطاء التربوي. وتكريم النقابة لهما له سياقه النقابي. لا مشكلة في تعدد التكريمات ما دام لكل تكريم معيار واضح، وما دام لا يُفهم باعتباره إدانة أو انتصاراً على مؤسسة أخرى.

وفي هذا السياق، أرى أن ما حدث يجب أن ينتهي برسالة مصالحة مؤسسية لا بمزيد من الاستقطاب: المحافظ ليس خصماً للتعليم، والوزارة ليست خصماً للمحافظة، والنقابة ليست خصماً للوزارة. كلهم أدوات في يد الدولة لخدمة الطالب المصري.

الأثر والنتيجة: ماذا نريد أن يبقى من هذه القصة؟

بعد أن تهدأ الضجة، وتغلق الكاميرات، وتختفي المقاطع من الصفحات الأولى، يبقى السؤال: ماذا استفادت مصر؟ إذا انتهت القصة إلى أن المحافظ تعرض لانتقادات، وأن الوزير كرم مديرين، وأن النقابة كرمت مديرين، وأن المجتمع قدم لهما تكريماً، وأن الجامعة كرمت المحافظ، ثم عاد كل طرف إلى موقعه، فنحن لم نربح شيئاً سوى دورة جديدة من الأخبار.

أما إذا انتهت إلى مراجعة حقيقية لطريقة إدارة المدارس ومحاسبتها، فنكون قد حولنا واقعة محلية إلى خطوة في إصلاح عام. وهذا هو ما يستحق أن يصل إلى أعلى مستوى في الدولة: ليس الشكوى من شخص، ولا الدفاع عن شخص، وإنما اقتراح نظام يجعل مثل هذه الوقائع أقل احتمالاً في المستقبل.

والرسالة الاولي  إلى كل من يعنيه مستقبل التعليم في مصر: لا تجعلوا كرامة المعلم في مواجهة هيبة الدولة، ولا تجعلوا هيبة الدولة في مواجهة كرامة المعلم. الاثنان مطلوبان. المحافظ يحتاج إلى هيبة حتى يستطيع فرض الانضباط، والمعلم ومدير المدرسة يحتاجان إلى كرامة حتى يستطيعوا العمل بشجاعة. والهيبة الحقيقية ليست في أن يخاف الموظف من المسؤول، وإنما في أن يحترم الموظف القانون ويثق في عدالة من يطبقه.

والرسالة الثانية إلى القيادات التعليمية: لا تنتظروا أن تتحول المدرسة إلى أزمة حتى تتحركوا. 

مدير المدرسة ليس مجرد حارس للمبنى، وإنما قائد تربوي وإداري يجب أن تكون له قناة مباشرة وسريعة لرفع المشكلات. 

وإذا كانت المشكلة خارج قدرته، فليكن من حقه أن يقول ذلك بوضوح، ومن واجبه أن يثبت أنه طلب المساعدة وتابعها.

اما الرسالة الثالثة  فالي  المحافظين والمسؤولين التنفيذيين: الجولة المفاجئة قيمتها في قدرتها على اكتشاف الواقع، لا في قدرتها على صناعة مقطع متداول. اجعلوا الكاميرا شاهداً على الإنجاز لا بديلاً عن الإنجاز. وإذا وجدتم موظفاً مقصراً، فحاسبوه وفق القانون. وإذا وجدتم موظفاً يحاول ويحتاج إلى مساعدة، فساعدوه. وإذا وجدتم مشكلة تتكرر في عشرات المدارس، فلا تعالجوا كل مدير منفرداً؛ عالجوا السبب الذي ينتج المشكلة.

بينما الرسالة الرابعة  فالي  وزارة التربية والتعليم ونقابة المعلمين: حماية المعلم لا ينبغي أن تتوقف عند التكريم بعد الأزمة. الحماية الحقيقية تبدأ قبل الأزمة، بوضع قواعد واضحة للمحاسبة، وآليات واضحة للتظلم، وقنوات سريعة لرفع الاحتياجات، وتدريب المديرين على إدارة الزيارات التفقدية والتعامل مع الجهات التنفيذية، وربط التقييم بالأدلة والنتائج.

أما الرسالة الخامسة فهي إلى المجتمع كله. نحن نحتاج أن نعيد احترام المدرسة باعتبارها مشروعاً وطنياً لا مسرحاً للخصومة. عندما نرى مدرسة بها نقص، لا ينبغي أن يكون أول سؤال: «من نفضح؟» بل: «من يستطيع أن يحل؟». وعندما نرى معلماً أو مديراً يواجه مشكلة، لا ينبغي أن يكون السؤال: «هل أخطأ؟» فقط، بل: «هل أعطيناه الأدوات التي تمكنه من أداء ما نطلبه منه؟».

وختاماً فان  نهضة التعليم لا تصنعها لحظة تكريم، كما لا يهدمها توبيخ واحد. النهضة تصنعها منظومة يومية من المسؤولية والاحترام والمتابعة والتمويل والتدريب والمحاسبة. وما جرى في القليوبية يمكن أن يكون درساً ثميناً إذا قرأنا ما وراء الصورة: الدولة تحتاج إلى مسؤول تنفيذي قوي، ووزارة قوية، ومدرسة قوية، ومدير قوي، ومعلم مصان الكرامة، ونظام لا يترك أحداً وحيداً أمام مشكلة ليست في يده.

والخلاصة التي أتمنى أن تبقى من هذه الواقعة بسيطة: لا نريد أن نختار بين المحافظ والمدير، ولا بين هيبة الدولة وكرامة المعلم. نريد دولة تجعل كل واحد منهما أقوى بالآخر.

فقد  يختلف المسؤولون في تقدير موقف، وقد يختلفون في طريقة التعامل معه، لكن لا ينبغي أن تختلف مؤسسات الدولة في الغاية. الغاية واحدة: أن يدخل الطالب المصري مدرسة نظيفة وآمنة وجاهزة، وأن يجد فيها معلماً محترماً، ومديراً قادراً، وإدارة تعليمية تستجيب، ومحافظة تساند، ووزارة تضع السياسات وتحاسب، ودولة تعرف في كل لحظة من المسؤول عن ماذا.

وهنا فقط يصبح التكريم تكريماً للعلم، ويصبح التوبيخ أداة تصحيح لا إهانة، وتصبح الجولة المفاجئة بداية حل لا بداية أزمة. وهنا أيضاً يتحول الأثر من فيديو يتداوله الناس أياماً، إلى قاعدة إدارية تستفيد منها مدارس مصر كلها سنوات.. هذه هي القضية التي تستحق أن نكتب من أجلها ليس من انتصر في مشهد القليوبية، وإنما كيف تنتصر المدرسة المصرية في المشهد القادم.

فلا تجعلوا كرامة المعلم في مواجهة هيبة الدولة، ولا تجعلوا هيبة الدولة في مواجهة كرامة المعلم.. فالاثنان مطلوبان، والدولة القوية هي التي تحمي الاثنين معًا.