أخبار

اكتشافات أثرية جديدة بتل الأبقعين تكشف تفاصيل الحياة العسكرية واليومية في عصر الدولة الحديثة

16 سبتمبر 2026 02:14 م

نورا محمد

 البعثة الأثرية المصرية

كشفت البعثة الأثرية المصرية العاملة بموقع تل آثار الأبقعين بمحافظة البحيرة عن مجموعة من المنشآت واللقى الأثرية المهمة، التي تلقي الضوء على الحياة العسكرية واليومية والتخطيط العمراني داخل الحصون المصرية القديمة، وتؤكد الأهمية الاستراتيجية للموقع باعتباره أحد الحصون العسكرية التي أقيمت على الحدود الغربية للدلتا خلال عصر الدولة الحديثة لحماية البلاد من هجمات القبائل الليبية.

وزير السياحة والآثار: الكشف يضيف بُعدًا جديدًا لفهم التحصينات العسكرية

وأكد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، أن الكشف يضيف بُعدًا جديدًا لفهم منظومة التحصينات العسكرية التي أقامها المصري القديم لحماية حدود البلاد، مشيرًا إلى أن ما تم الكشف عنه من منشآت سكنية ومخازن ولقى أثرية متنوعة يقدم صورة متكاملة عن الحياة اليومية والاقتصادية والدينية لسكان الحصن، إلى جانب دوره العسكري.

وثمّن الوزير جهود البعثات الأثرية المصرية وما تحققه من اكتشافات تسهم في الكشف عن مزيد من أسرار الحضارة المصرية القديمة، مؤكدًا استمرار الوزارة في دعم أعمال الحفائر والبحث العلمي بالمواقع الأثرية المختلفة، والحفاظ على ما يتم الكشف عنه ودراسته وتوثيقه وفقًا لأحدث الأساليب العلمية.

مجمع سكني وشوارع تكشف دقة التخطيط داخل الحصن

وأوضح الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن أعمال الحفائر أسفرت عن الكشف عن مجمع سكني كبير مشيد بالطوب اللبن، عُثر في ناحيته الشمالية على شارع رئيسي يبلغ عرضه نحو 4 أمتار ويمتد من الشرق إلى الغرب، ويتقاطع معه شارع آخر يمتد من الجنوب إلى الشمال، ويرتبط مدخله الرئيسي بالمدخل الجنوبي للحصن المشيد من الحجر الجيري، بما يعكس دقة التخطيط العمراني والهندسي داخل الموقع.

وأضاف أن المجمع السكني يضم عددًا من الحجرات التي احتوت على صوامع لتخزين الغلال وأفران أسطوانية من الفخار، كانت تستخدم في إعداد الطعام وخبز الحبوب وتلبية الاحتياجات اليومية لقاطني الحصن، بما يعكس وجود منظومة متكاملة للإعاشة وإدارة الموارد.

آبار رمسيس الثاني ومخازن لحبوب القمح

كما تم الكشف عن مجموعة من الحجرات السكنية بجوار منطقة الآبار في الركن الجنوبي الشرقي للحصن، حيث سبق العثور على ثلاثة آبار حجرية منقوشة بألقاب الملك رمسيس الثاني، بما يشير إلى وجود تجمع سكني ارتبط بالأنشطة اليومية ومصادر المياه داخل الموقع.

وأشار الأستاذ محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية، إلى أن بعض الحجرات، ولا سيما الواقعة شمال الشارع الرئيسي، استخدمت كمخازن لحبوب القمح، حيث عُثر بداخلها على جرار فخارية كبيرة الحجم لا تزال تحتوي على حبوب قمح متفحمة، وهو ما يقدم دليلًا مباشرًا على أساليب تخزين وإدارة الموارد الغذائية والنشاط الاقتصادي والمعيشي داخل الحصن.

دفنة حصان تكشف جانبًا من الطابع العسكري للموقع

ومن أبرز الاكتشافات العثور على دفنة حيوانية كاملة لحصان ذكر صغير السن، أظهرت الدراسات الأولية أنه من سلالة متوسطة الحجم تتميز بالرشاقة والسرعة، ويرجح استخدام هذا النوع من الخيول في التدريب أو الأنشطة العسكرية أو جر العربات الحربية خلال عصر الدولة الحديثة، وتشير الوضعية الكاملة لجسم الحصان واتجاه الرأس وانتظام الدفن إلى أنه دُفن بصورة مقصودة ومنظمة، بما يرجح أن تكون دفنة تكريمية.

وعلى بعد أمتار قليلة من الحجرة التي عُثر بها على الدفنة، تم الكشف عن قطع أسطوانية من الألباستر والحجر الجيري، يُرجح أنها كانت ضمن زخارف عدة حصان العجلة الحربية المعروفة باسم Finial Harness of a Chariot، بما يقدم دلالات إضافية على الطابع العسكري للموقع واستخدام العربات الحربية.

لوحات أثرية بأسماء مرنبتاح ورمسيس الثاني

وأوضح الأستاذ خالد عبد الغني فرحات، مدير عام منطقة آثار البحيرة والمشرف على الحفائر، أن أعمال الحفائر أسفرت، لأول مرة في تاريخ حفائر منطقة آثار البحيرة، عن العثور على جزء من لوحة من الحجر الجيري تحمل بقايا نص مكتوب بالخط الهيراطيقي للملك مرنبتاح، يتضمن وصفًا لقوته وتشبيهها بقوة المعبود سيث، إلى جانب الإشارة إلى المعبود بتاح الخالق.

كما عثرت البعثة على بقايا لوحة من الحجر الجيري مكتوبة بالخط الهيروغليفي تحمل اسم الميلاد واسم التتويج والاسم الحوري للملك رمسيس الثاني، بالإضافة إلى لوحة أخرى تحمل مشهدًا يصور أسيرًا بجسد منحنٍ في وضعية خضوع ومكبل اليدين، وتشير ملابسه إلى أنه أسير ليبي من قبائل المشوش.

جعارين وتمائم تكشف معتقدات سكان الحصن

وضمت الاكتشافات أيضًا عددًا من الجعارين التي تلقي الضوء على الهوية الدينية لقاطني الحصن، يحمل بعضها أسماء الملكين رمسيس الثاني وسيتي الأول، فيما يحمل البعض الآخر أسماء وألقاب عدد من المعبودات، من بينها آمون وسخمت وبتاح وسيث، بما يشير إلى حضور هذه المعبودات في الحياة اليومية لقاطني الحصن.

كما عُثر على مجموعة من التمائم الدينية المرتبطة بمفاهيم الحماية والخصوبة والتجدد والقوة، من بينها تمائم على هيئة السمكة وزهرة اللوتس وحية الكوبرا وعلامة «نفر» وقرد البابون، بما يعكس أهمية المعتقدات الدينية في حياة الجنود وسكان الحصن.

أدوات تكشف تفاصيل الحياة اليومية داخل الحصن

وشملت اللقى الأثرية مجموعة متنوعة من الأواني الفخارية والشقافات المستخدمة في التخزين والطهي وتقديم الطعام وحفظ العطور والزيوت، من بينها زمزمية مرتبطة بالحج إلى أبيدوس.

كما عُثر على أدوات ارتبطت بالأنشطة اليومية، منها أثقال الأنوال المستخدمة في الغزل، وأجزاء من الرحى والمصاحن الحجرية وأثقال الموازين، إلى جانب عدد من أدوات الزينة والحلي الشخصية، التي تعكس جانبًا من الحياة الاجتماعية والذوق الفني لقاطني الموقع.

استمرار الحفائر لاستكمال تاريخ تل الأبقعين

وتقدم مجمل هذه الاكتشافات صورة متكاملة لمجتمع عاش داخل الحصن، جمع بين أداء المهام العسكرية وممارسة الشعائر والمعتقدات الدينية ومختلف أنشطة الحياة اليومية.

وتواصل البعثة الأثرية المصرية أعمال الحفائر والدراسة والتوثيق بالموقع للكشف عن مزيد من عناصر الحصن، بما يسهم في استكمال الصورة الأثرية والتاريخية لتل الأبقعين ودوره ضمن منظومة الدفاع عن الحدود الغربية لمصر خلال عصر الدولة الحديثة.