أخبار

حين يصبح "التميز" لافتةً سعرية

داء البرامج الخاصة في الجامعات ودواؤها.. الطالب لا يدفع آلاف الجنيهات من أجل اسم جديد لمقرر قديم

03 سبتمبر 2026 05:52 م

أ.د./ أمين السيد أحمد لطفي

   أ.د./ أمين السيد أحمد لطفي

شهدت الجامعات المصرية خلال السنوات الأخيرة توسعًا واضحًا في إنشاء ما يُطلق عليه البرامج الخاصة أو المميزة أو البرامج الجديدة بنظام الساعات المعتمدة، وهي برامج يدفع الطالب مقابل الالتحاق بها رسومًا قد تبلغ عشرات أضعاف ما يتحمله زميله في البرنامج الأساسي بالكلية نفسها. ومن حيث المبدأ، لا أرى مشكلة في وجود مثل هذه البرامج؛ فالجامعة الحديثة تحتاج إلى تنويع مصادر تمويلها، وإلى تقديم مسارات تعليمية مختلفة تستجيب للتحولات المتسارعة في سوق العمل، كما أن الطالب من حقه أن يختار برنامجًا أكثر تقدمًا إذا كان مستعدًا لتحمل تكلفته.

لكن المشكلة تبدأ عندما يرتفع السعر ولا ترتفع القيمة.

فالتميز لا تصنعه لافتة مكتوب عليها "برنامج مميز"، ولا لغة أجنبية تضاف إلى اسم البرنامج، ولا تحويل اسم مقرر تقليدي إلى اسم حديث بينما يبقى المحتوى والكتاب والمحاضر وطريقة التدريس والامتحان كما هي. وإذا كان الطالب في البرنامج العادي يدفع مئات الجنيهات، بينما يدفع زميله في البرنامج المميز آلافًا أو عشرات الآلاف، فمن حق الطالب والمجتمع والدولة أن يسألوا: ماذا اشترى الطالب بهذا الفارق؟

إنها ليست قضية رسوم دراسية فقط، وإنما قضية عدالة وجودة ومساءلة وقيمة مقابل المال وثقة في التعليم الجامعي المصري.

أولًا: الداء... عندما تتحول "الخصوصية" إلى خصوصية في السعر فقط

الخلل الحقيقي ليس في إنشاء البرامج المميزة، وإنما في غياب تعريف وطني دقيق لما تعنيه كلمة "مميز".

هل يعني أن عدد الطلاب أقل؟ وهل أعضاء هيئة التدريس أكثر كفاءة؟ وهل المناهج مختلفة جوهريًا؟ وهل توجد معامل وتقنيات وقواعد بيانات لا تتوافر في البرنامج التقليدي؟ وهل يحصل الطالب على تدريب حقيقي داخل المؤسسات؟ وهل يشارك أصحاب الأعمال في تصميم البرنامج؟ وهل ترتفع فرص توظيف الخريج؟ وهل يكتسب مهارات مهنية ورقمية ولغوية قابلة للقياس؟

إذا لم توجد إجابات واضحة لهذه الأسئلة، فإننا نكون أمام تمييز سعري لا تميز تعليمي.

وقد نجد، في بعض الحالات، مقررًا في البرنامج العادي يحمل اسم "المحاسبة المالية المتقدمة"، بينما يحمل في البرنامج المميز اسمًا إنجليزيًا أكثر جاذبية، ثم يكتشف الطالب أن المحاضر واحد، والكتاب واحد، والمحتوى واحد، وطريقة الشرح واحدة، بل وربما الامتحان قريب للغاية من امتحان البرنامج الأساسي.

فأين إذن الميزة التي دفع الطالب ثمنها؟

إن تغيير Packaging البرنامج دون تغيير جوهره يشبه تغيير غلاف السلعة مع الإبقاء على المنتج نفسه، وهو أمر قد يكون مقبولًا في التسويق لفترة قصيرة، لكنه في التعليم يؤدي في النهاية إلى فقدان الثقة.

والأخطر أن بعض البرامج قد تبدأ تحت ضغط الرغبة في توفير مورد مالي للكلية أو الجامعة قبل أن تبدأ من سؤال أكاديمي أكثر أهمية: ما المشكلة التعليمية أو المهنية التي جاء البرنامج لحلها؟

وهنا تنقلب المعادلة. فالبرنامج المميز يجب ألا يكون أول سؤال فيه: كم سيدفع الطالب؟ وإنما: ما الذي سيتعلمه الطالب هنا ولا يستطيع الحصول عليه في المسار التقليدي؟

ثانيًا: الفجوة الأكبر... الطالب يدفع أكثر لكنه قد يدخل سوق العمل بالفجوة نفسها

إذا كانت إحدى مشكلات التعليم الجامعي في مصر هي الفجوة بين ما يدرسه الطالب وما يحتاجه سوق العمل، فإن البرنامج الذي يتقاضى رسومًا مرتفعة ثم يترك هذه الفجوة كما هي لا يمكن اعتباره برنامجًا مميزًا.

لنأخذ كلية التجارة ومجال المحاسبة مثالًا.

لا يمكن اليوم أن يصبح برنامج محاسبة "مميزًا" لمجرد تدريس المحاسبة باللغة الإنجليزية. المحاسب الذي يدخل سوق العمل في منتصف هذا العقد يحتاج، إلى جانب الأساس العلمي، إلى معرفة وتطبيقات في تحليل البيانات، ونظمERP ، والذكاء الاصطناعي، والمراجعة الرقمية، وتحليل المخاطر، والتقارير المستدامة، والأمن والحوكمة الرقمية، والمعايير الدولية، والتحليل المالي التطبيقي، والتواصل المهني، واللغة، واستخدام قواعد البيانات، والتعامل مع مشروعات وحالات حقيقية.

ويجب أن يرتبط تعليمه أيضًا بالمؤسسات المهنية وباحتياجات البنوك وشركات المراجعة والشركات الصناعية والمالية والمؤسسات الحكومية.

وهذا ليس ترفًا. فمعايير AACSB العالمية لكليات إدارة الأعمال تؤكد أن المنهج الجيد ينبغي أن يكون معاصرًا ومرتبطًا بالممارسة، وأن ينمي الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، والابتكار، والتعلم التجريبي، وأن يخضع لعملية Assurance of Learning أي التأكد الفعلي من أن الطالب اكتسب الكفاءات المستهدفة، وليس مجرد نجاحه في الامتحان.

إذن القضية لم تعد: ماذا درَّس الأستاذ؟
بل أصبحت: ماذا أصبح الطالب قادرًا على أن يفعل بعد أن تعلم؟

وهنا تحديدًا يجب إعادة بناء فلسفة البرامج المميزة في مصر.

ثالثًا: العالم لا يقيس التميز بحجم الرسوم وإنما بمخرجات الطالب

هناك درس مهم تقدمه التجارب الدولية الناجحة: الجودة لا تُقاس بالمدخلات وحدها، وإنما بالمخرجات.

في إنجلترا، على سبيل المثال، يستخدم مكتب شؤون الطلاب Office for Students مؤشرات تتعلق باستمرار الطالب في الدراسة وإكماله للبرنامج ثم تقدمه بعد التخرج إلى عمل مهني أو دراسة أخرى، بل توجد حدود رقمية تستخدم ضمن نظام الرقابة على النتائج التعليمية.

والفكرة التي تهمنا ليست نقل النسب الإنجليزية إلى مصر، وإنما نقل الفلسفة: لا يكفي أن تقول الجامعة إن برنامجها ممتاز؛ يجب أن يكون هناك دليل على أن طلابه يتعلمون ويكملون ويتوظفون ويتقدمون.

وفي أستراليا، تربط هيئة TEQSA جودة البرنامج بتصميم المقرر، ومخرجات التعلم، وطرق تقييمها، وحداثة المعرفة، وكفاءة هيئة التدريس، وموارد التعلم، ووضوح المعلومات المقدمة للطلاب حتى يستطيع الطالب اتخاذ قرار واعٍ قبل الالتحاق بالبرنامج.

أما أحد النماذج المهمة لربط الجامعة بسوق العمل فهو نموذج University of Waterloo الكندية في التعليم التعاوني؛ حيث يتناوب الطلاب بين الدراسة والعمل الفعلي، ويمكن أن يتخرج الطالب بعد أن اكتسب ما يصل إلى عامين من الخبرة العملية المدفوعة، وتتعاون الجامعة مع آلاف جهات التوظيف. ولا يكتفى بوضع كلمة "تدريب" في اللائحة، وإنما تكون فترات العمل جزءًا من تصميم البرنامج، وتخضع وظائف التدريب للتحقق والمتابعة وتقييم صاحب العمل للطالب.

هذه هي النقطة الجوهرية:

في التجارب الجيدة، سوق العمل يدخل إلى البرنامج قبل تخرج الطالب، بينما في بعض تجاربنا لا يلتقي الطالب بسوق العمل إلا بعد أن يحصل على الشهادة.

رابعًا: ليس المطلوب إلغاء البرامج المميزة... وإنما إنقاذها

سيكون من الخطأ أن تكون الاستجابة لهذه المشكلات هي إلغاء البرامج الخاصة أو المميزة. فهي تستطيع، إذا أحسن تصميمها، أن تصبح مختبرًا للتجديد داخل الجامعات الحكومية، وأن توفر موارد لتطوير التعليم، وأن تتيح استحداث تخصصات أسرع من البرامج التقليدية، وأن تساعد في استبقاء الكفاءات الأكاديمية.

لكن استمرارها يجب أن ينتقل من منطق تحصيل الرسوم إلى منطق إنتاج القيمة.

وأقترح هنا قاعدة وطنية بسيطة:

لا برنامج مميز بلا ميزة مثبتة.

وقبل الموافقة على إنشاء أي برنامج جديد يجب أن يقدم ملفًا يجيب عن خمسة أسئلة:

ما الذي يختلف؟ ماذا يتعلم الطالب؟ كيف يتعلمه؟ كيف سنقيس اكتسابه؟ وما القيمة التي سيحصل عليها مقابل الرسوم الإضافية؟

ولا تكفي الإجابات الإنشائية.

إذا ادعى البرنامج أنه يوفر فرص تشغيل أفضل، فلتُقَس معدلات التشغيل. وإذا قال إنه يوفر تعليمًا تطبيقيًا، فلتُذكر نسبة الساعات التطبيقية. وإذا قال إنه دولي، فليُحدد شكل الشراكة الدولية. وإذا قال إنه يقدم مستوى لغويًا متقدمًا، فليُقَس مستوى الخريج. وإذا قال إنه يربط الطالب بالمهنة، فلتُذكر الشهادات المهنية والتدريب والمشروعات والشركاء.

خامسًا: الدواء الأول... "وثيقة قيمة" لكل برنامج مميز

أقترح أن يُلزم كل برنامج بموجب قواعد المجلس الأعلى للجامعات بإصدار وثيقة معلنة للقيمة التعليمية مقابل الرسوم قبل فتح باب القبول.

لا تكون وثيقة دعائية، وإنما عقد شفافية بين الجامعة والطالب.

وتتضمن على الأقل:

  1. إجمالي الرسوم التي سيتحملها الطالب طوال مدة الدراسة.
  2. أوجه الاختلاف الحقيقية بين البرنامج المميز والبرنامج الأساسي.
  3. المقررات أو الوحدات الإضافية التي لا توجد في البرنامج التقليدي.
  4. عدد الطلاب في المجموعة الدراسية.
  5. مؤهلات وخبرات أعضاء هيئة التدريس.
  6. الموارد والمعامل والتكنولوجيات المتاحة حصريًا أو بصورة إضافية.
  7. التدريب العملي الإلزامي ومدته والجهات المشاركة.
  8. الشهادات المهنية أو الدولية التي يؤهل لها البرنامج.
  9. نسبة المقررات التي تتضمن مشروعات وحالات عملية.
  10. مؤشرات توظيف خريجي الدفعات السابقة.
  11. تقييم الخريجين وأصحاب الأعمال.
  12. ما تم تطويره في البرنامج نتيجة تلك التقييمات.

وبذلك يستطيع ولي الأمر والطالب أن يقارنا قبل دفع الرسوم.

إن الشفافية نفسها ستصبح أداة للإصلاح؛ لأن البرنامج الذي يعرف أنه سيُطلب منه أن يشرح علنًا سبب ارتفاع رسومه سيضطر إلى بناء قيمة حقيقية تبرر هذا الفارق.

سادسًا: الدواء الثاني... منع "التوأمة الوهمية" بين البرنامج العادي والمميز

من أهم الإصلاحات المطلوبة إجراء مراجعة مقارنة Curriculum Mapping بين كل برنامج مميز وأقرب برنامج أساسي إليه.

ليس المطلوب أن يختلف كل شيء؛ فالأساس العلمي للتخصص يجب بالطبع أن يظل موجودًا. ولكن لا يعقل أن يدفع الطالب رسومًا مضاعفة من أجل برنامج تتطابق أغلبية خبرته التعليمية مع البرنامج التقليدي.

وينبغي أن تكشف المراجعة المقارنة:

  • نسبة التطابق في المقررات.
  • نسبة التطابق في المحتوى.
  • المراجع والكتب المستخدمة.
  • أعضاء هيئة التدريس.
  • أساليب التدريس.
  • أساليب التقييم.
  • حجم المجموعات.
  • التدريب.
  • التطبيقات الرقمية.
  • المشروعات.
  • الشراكات الخارجية.
  • المهارات المكتسبة.

فإذا اكتُشف أن الاختلاف لا يتجاوز أسماء المقررات أو لغة العنوان أو بعض التعديلات الشكلية، فلا ينبغي تجديد اعتماد البرنامج بوصفه "مميزًا".

التميز صفة يجب اكتسابها والمحافظة عليها، وليس لقبًا يمنح للبرنامج إلى الأبد.

سابعًا: الدواء الثالث... اجعل صاحب العمل شريكًا لا ضيفًا في حفل التخرج

من الأمراض المزمنة في بعض برامجنا أن سوق العمل يُستدعى بعد تصميم البرنامج وليس قبله.

والدواء هو تشكيل مجلس مهني Advisory Board لكل برنامج مميز، لا تسيطر عليه الجامعة وحدها، وإنما يضم أصحاب أعمال وممثلين للمهنة وخريجين ناجحين وخبراء تكنولوجيا، إلى جانب أعضاء هيئة التدريس.

ويجب ألا يكون مجلسًا شرفيًا توضع أسماؤه في ملف الجودة، وإنما يشارك في:

  • تحديد المهارات المطلوبة.
  • مراجعة المناهج سنويًا.
  • اقتراح المقررات الجديدة.
  • توفير التدريب.
  • تقديم مشكلات واقعية لتكون مشروعات للطلاب.
  • تقييم أداء المتدربين.
  • تقييم جاهزية الخريجين.
  • اقتراح أعضاء هيئة تدريس أو خبراء من سوق العمل.

وتؤكد الأدلة الدولية الخاصة بالتعليم المرتبط بالعمل أهمية العلاقة المنظمة بين الجامعة والطالب وصاحب العمل، وأن التعلم داخل مكان العمل يجب أن يكون جزءًا مخططًا ومقاسًا من البرنامج لا مجرد فترة تدريب شكلية.

ثامنًا: الدواء الرابع... من امتحان المقرر إلى "محفظة كفاءات" للخريج

البرنامج المميز الحقيقي يجب ألا يخرج طالبًا يحمل كشف درجات فقط، وإنما طالبًا يحمل Portfolio of Competencies.

فطالب المحاسبة، على سبيل المثال، يمكن أن يتخرج وفي ملفه:

تحليل فعلي لقوائم مالية، ونموذج باستخدام Power BI، وتجربة على نظام ERP، وحالة مراجعة رقمية، وتحليل مخاطر، ومشروع مع شركة، وتدريب موثق، وعرض مهني باللغة الإنجليزية، وشهادة أو أكثر في مهارات مهنية أو رقمية.

هنا فقط يستطيع الطالب أن يقول لصاحب العمل: "هذه ليست شهادتي فقط، هذه الأشياء التي أستطيع فعلها".

وهذا التحول من الشهادة إلى القدرة هو قلب الجامعة الحديثة.

تاسعًا: الدواء الخامس... التمويل يجب أن يعود إلى الطالب

إذا كانت البرامج المميزة تحقق إيرادات إضافية، فمن الضروري وجود قواعد شفافة تحدد كيف تعود هذه الإيرادات إلى تطوير البرنامج نفسه.

فالطالب لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر لتمويل نفقات لا يشعر بأثرها في تعليمه.

ينبغي أن يُخصص جزء أساسي من عوائد البرنامج بصورة واضحة لتحديث المعامل والتكنولوجيا وقواعد البيانات، واستقطاب الخبراء، والتدريب، والشراكات الدولية، والتطوير المهني لأعضاء هيئة التدريس، وخدمات التوظيف، والمنح للطلاب المتفوقين غير القادرين.

وبذلك تتحقق دائرة سليمة:

رسوم أعلى → استثمار تعليمي أعلى → جودة أعلى → مهارات أعلى → تشغيل أفضل.

أما النموذج الخاطئ فهو:

رسوم أعلى → إيراد أعلى → نفس التعليم.

عاشرًا: الدواء السادس... لا تجديد تلقائيًا للبرنامج

كما يخضع عضو هيئة التدريس للتقييم، يجب أن يخضع البرنامج نفسه للتقييم.

وأقترح ترخيصًا دوريًا للبرامج المميزة لمدة محددة، يعقبه تقييم مستقل يستند إلى مؤشرات محددة، منها:

رضا الطلاب، جودة التدريس، تحقيق مخرجات التعلم، جودة التدريب، تقييم أصحاب الأعمال، التشغيل بعد التخرج، عدد الشراكات الفعلية، استخدام التكنولوجيا، نسبة تطوير المناهج، والقيمة مقابل الرسوم.

فالبرنامج الذي يفشل لعدة دورات في إثبات القيمة يجب أن يُعاد تصميمه أو تُخفض رسومه أو يفقد وصف "المميز".

إن البرامج الأكاديمية مثل المؤسسات الاقتصادية؛ قد يكون إنشاؤها صحيحًا في وقت ما ثم تتغير البيئة من حولها. ومن ثم يجب ألا تصبح لوائحها أبدية بينما سوق العمل يتغير كل عدة أشهر.

حادي عشر: العدالة الاجتماعية جزء من التميز

هناك بعد آخر لا يقل أهمية.

إذا أصبحت أفضل فرص التعليم داخل الجامعة الحكومية متاحة فقط لمن يستطيع دفع عشرات الآلاف من الجنيهات، فإننا نكون أمام خطر إنتاج جامعتين داخل الجامعة الواحدة: جامعة للقادر وجامعة لغير القادر.

ولهذا يجب أن يرتبط كل برنامج مميز بنظام منح حقيقي للطلاب المتفوقين غير القادرين.

فالتميز ينبغي أن يبنى على الاستحقاق والقدرة العلمية لا القدرة المالية وحدها.

ويمكن تخصيص نسبة من إيرادات هذه البرامج لصندوق منح تنافسي، حتى لا يُحرم طالب شديد التفوق من تعليم أكثر تطورًا لأن أسرته أقل دخلًا.

وهذا ليس عملًا اجتماعيًا فقط؛ بل استثمار في أفضل العقول المصرية.

ثاني عشر: نحو "مؤشر وطني للقيمة التعليمية"

وقد يكون من المفيد أن تطور الدولة مؤشرًا وطنيًا للقيمة التعليمية للبرامج الجامعية، وخاصة البرامج ذات الرسوم المرتفعة.

ولا يقوم المؤشر على السمعة أو عدد المتقدمين، وإنما على خمسة أبعاد:

جودة التعلم، وقابلية التوظيف، والتكامل مع سوق العمل، والابتكار والتكنولوجيا، والقيمة مقابل التكلفة.

وتُنشر نتائج المؤشر سنويًا.

عندئذ لن يتنافس البرنامج مع غيره في الإعلانات، وإنما في النتائج.

وسوف يعرف الطالب قبل أن يدفع أن البرنامج (أ) يتفوق في فرص التوظيف، وأن البرنامج (ب) يتفوق في التدريب، وأن البرنامج (ج) لم يحقق النتائج التي تبرر رسومه.

وهنا يدخل المستهلك الواعي إلى منظومة التعليم الجامعي، وتضطر البرامج إلى تحسين نفسها باستمرار.

ثالث عشر: الرسالة التي أطرحها أمام الدولة والجامعات

نحن لسنا ضد البرامج الخاصة أو المميزة؛ بل نريد أن تكون مميزة بالفعل.

فالجامعات المصرية تمتلك أعضاء هيئة تدريس متميزين، وطلابًا قادرين على المنافسة عالميًا، وسوقًا ضخمة تحتاج إلى مهارات جديدة. وما ينقصنا في كثير من الأحيان ليس الموارد البشرية، وإنما نظام الحوكمة الذي يربط الرسوم بالقيمة، والمنهج بالمهنة، والتدريس بالكفاءة، والبرنامج بالنتائج.

إن الدولة المصرية وهي تستثمر بكثافة في بناء جامعات جديدة وتحديث البنية التكنولوجية للتعليم العالي تحتاج إلى استكمال هذا الجهد بإصلاح أكثر عمقًا في اقتصاديات وجودة البرامج الجامعية.

وأتصور أن البداية يمكن أن تكون بقرار واضح:

اعتبار مسمى "برنامج مميز" تصنيفًا للجودة وليس تصنيفًا ماليًا.

ومن ثم لا يُمنح هذا الوصف إلا بعد إثبات اختلاف جوهري وقابل للقياس عن البرنامج التقليدي، ولا يستمر إلا باستمرار هذه القيمة.

وأخيرًا... الطالب لا يشتري مقعدًا وإنما يشتري مستقبله

الأسرة التي تدفع آلاف الجنيهات سنويًا لابنها لا تشتري له قاعة أكثر هدوءًا أو اسم برنامج مكتوبًا باللغة الإنجليزية.

إنها تستثمر في مستقبله.

ومن واجب الجامعة أن تكون أمينة على هذا الاستثمار.

فإذا دفع الطالب عشرة أضعاف ما يدفعه زميله، فمن حقه أن يسأل:

هل تعلمت عشرة أضعاف؟

بالطبع لا يمكن قياس التعليم بهذه البساطة الحسابية، ولكن يجب على الأقل أن يحصل على قيمة إضافية حقيقية ومعلنة وقابلة للقياس.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق إنشاء أي برنامج جديد ليس:

كم طالبًا نستطيع أن نقبل؟ وكم ستكون الرسوم؟

وإنما: ما الإنسان والخريج الذي سنصنعه؟ وما الذي سيكون قادرًا على فعله ولم يكن ليستطيع فعله لو التحق بالبرنامج التقليدي؟

إذا استطعنا الإجابة عن هذا السؤال، فلتزد البرامج المميزة ولتنجح ولتحقق إيرادات للجامعات.

أما إذا عجزنا عن الإجابة، فعلينا ألا نطلب من الأسرة المصرية أن تدفع ثمن كلمة "مميز" لا يوجد ما يثبتها.

فالجامعة ليست متجرًا لبيع أسماء البرامج، والتعليم ليس سلعة تُرفع قيمتها برفع سعرها.

التميز الحقيقي يبدأ عندما يخرج الطالب من الجامعة بقيمة أكبر، لا عندما يدخلها برسوم أكبر.

وهذه ـ في تقديري ـ هي نقطة البداية لإصلاح أحد الملفات التي تبدو صغيرة في منظومة التعليم العالي، بينما تمتد آثارها إلى العدالة الاجتماعية، والثقة في الجامعة، وكفاءة الإنفاق الأسري، وجودة الخريج، وسوق العمل، وقدرة مصر نفسها على المنافسة في اقتصاد المعرفة.

إن الداء ليس في أن ندفع مقابل تعليم أفضل.

الداء أن ندفع أكثر دون أن نتعلم أفضل.

أما الدواء فهو واضح:

لا رسوم مميزة دون تعليم مميز، ولا تعليم مميز دون نتائج مميزة، ولا نتائج مميزة دون مساءلة وشفافية وقياس مستقل.