قال الدكتور نعمان توفيق العابد، الباحث في العلاقات الدولية، إن الوضع الحالي بين الولايات المتحدة وإيران بالغ الخطورة، في ظل غياب المفاوضات المباشرة بين الجانبين، وعدم وجود مفاوضات عبر الوسطاء، موضحًا أن الاتصالات الحالية تقتصر على تبادل الرسائل، مع تمسك كل طرف بالشروط التي يطرحها.
وأوضح العابد أن المفاوضات القائمة حاليًا تدور بين إيران وسلطنة عمان بشأن إدارة مضيق هرمز بعد الحرب، مشيرًا إلى أن طهران تؤكد أن إعادة فتح المضيق مرهونة بتحقيق عدد من الشروط، من بينها وقف ما تصفه بالعدوان، ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية والاقتصاد الإيراني، إلى جانب البنود الأخرى الواردة في مذكرة إسلام آباد.
لا بديل عن التفاوض
وأكد الباحث في العلاقات الدولية أن الأوضاع ستظل صعبة ما لم تدرك الولايات المتحدة أنه لا بديل عن التفاوض لمعالجة أزمة مضيق هرمز، مشيرًا إلى أن استمرار الحصار والضغوط الاقتصادية يزيد من الضغوط على طهران، لكنها اعتادت تاريخيًا التعامل مع العقوبات والضغوط الاقتصادية الشديدة دون الاستسلام لها.
وأضاف أن الاتفاق بين سلطنة عمان وإيران يمكن أن يهيئ الظروف المناسبة لبدء محادثات مباشرة بين واشنطن وطهران، موضحًا أن مذكرة إسلام آباد تضمنت إجراء مفاوضات خلال 60 يومًا بشأن إدارة مضيق هرمز، بالتشاور مع دول المنطقة.
أولوية الدول المتشاطئة في إدارة مضيق هرمز
وأشار العابد إلى أن العقدة الأساسية تتمثل في عدم اقتناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإدارته بأن للدول المتشاطئة على مضيق هرمز الأولوية في إدارة شؤونه، مؤكدًا أن الولايات المتحدة، باعتبارها دولة من خارج المنطقة، لا ينبغي أن تتدخل في إدارة المضيق.
وأوضح أن ترامب يسعى إلى تحقيق إنجاز سياسي، رغم أن الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة ضد إيران كانت، بحسب وصفه، سببًا في إغلاق مضيق هرمز، مؤكدًا أن المضيق كان مفتوحًا أمام حركة الملاحة قبل الحرب.
وأضاف أن إيران أدركت بعد الحرب الأهمية الاستراتيجية للورقة التي تمتلكها من خلال قدرتها على التأثير في حركة الملاحة عبر المضيق.
أسعار الطاقة والناخب الأمريكي
ولفت الباحث إلى أن أهمية مضيق هرمز تجاوزت في الوقت الحالي حدود الملف النووي الإيراني، موضحًا أن خفض أسعار الطاقة بالنسبة إلى الناخب الأمريكي ودول العالم يرتبط بدرجة كبيرة بعودة حركة الملاحة عبر المضيق، وهو ما يجعل استئناف المفاوضات مع طهران أمرًا ضروريًا.
وأكد أن الرئيس الأمريكي يسعى إلى فرض أسلوبه في التفاوض على الأطراف الدولية، معتبرًا أن الصفقات التي يطرحها تقوم، من وجهة نظره، على دفع الدول إلى تقديم تنازلات تتعلق بسيادتها ومصالحها تحت وطأة الضغوط العسكرية والسياسية.
غياب استراتيجية أمريكية واضحة
وقال العابد إن تضارب التصريحات داخل الإدارة الأمريكية يكشف، بحسب تقديره، عن عدم وجود استراتيجية واضحة للتعامل مع الملف الإيراني، مشيرًا إلى وجود اتجاهين داخل الإدارة؛ الأول كان يدفع نحو استمرار المفاوضات، بينما يتبنى الثاني خيار التدخل العسكري.
وأوضح أن أحد الاتجاهات داخل الإدارة الأمريكية كان يعتقد أن ما وصفه بـ"النموذج الفنزويلي" يمكن أن ينجح في التعامل مع إيران، لكنه فوجئ بعدم القدرة على إخضاع طهران أو تغيير نظامها، مؤكدًا أن الاستراتيجية الأمريكية اصطدمت بما وصفه بالصمود الإيراني.
إيران صمدت أمام الضغوط
وأشار الباحث في العلاقات الدولية إلى أن إيران تمكنت من الصمود رغم الضغوط العسكرية الشديدة والضربات المتلاحقة والضغوط الاقتصادية، مؤكدًا أن هذا المستوى من الصمود لم يكن متوقعًا من جانب الإدارة الأمريكية.
وأضاف أن انتهاء اتفاق وقف إطلاق النار لا يمثل، من وجهة نظره، هاجسًا كبيرًا، متوقعًا إمكانية تمديد الهدوء أو تأجيل أي ضربات عسكرية جديدة من خلال اتصالات إقليمية ودولية، مشيرًا إلى أن تصعيد الأوضاع ليس في مصلحة الرئيس الأمريكي خلال المرحلة الحالية.
الانتخابات والاقتصاد يحكمان حسابات واشنطن
وأوضح العابد أن الرئيس الأمريكي يدرس كيفية الخروج من المعضلة الحالية، خاصة في ظل أهمية الوضع الاقتصادي قبل انتخابات التجديد النصفي، إلى جانب رغبته في إنهاء الحرب دون الظهور بمظهر الطرف المهزوم.
وأشار إلى أن أي اتفاق جديد مع طهران قد لا يبتعد كثيرًا عن بعض البنود التي سبق أن وافقت عليها الإدارة الأمريكية، والتي ينتقدها ترامب مرارًا وتكرارًا.
واختتم الباحث تصريحاته بالتأكيد على أن مسار الأحداث المقبلة لا يزال مفتوحًا أمام عدة احتمالات، وأن العودة إلى التفاوض تظل الخيار الأهم لتجنب مزيد من التصعيد واحتواء أزمة مضيق هرمز.
