حوادث

جلسة الصلح الأخيرة.. أراد استعادة أسرته ففقد ابنته

15 أغسطس 2026 04:34 م

حنان نبيل

المجني عليها

لم يجتمعوا تلك الليلة بحثًا عن خصومة جديدة، وإنما على أمل أن تنتهي خصومة قديمة كان الطلاق قد ترك خلفه خلافات لم تهدأ، وأحكامًا قضائية زادت المسافة بين الأب وأبنائه، حتى أصبحت رؤية الصغار نفسها جزءًا من النزاع بين الطرفين.

ومع استمرار الخلاف، اجتمعت أسرة الزوجة في محاولة للصلح، على أمل أن تهدأ الأمور وأن يجد الطرفان طريقًا للعودة إلى حياة أكثر استقرارًا.

لكن جلسة الصلح التي كان يفترض أن تفتح بابًا جديدًا للأسرة، أغلقت أبوابًا أخرى إلى الأبد.

في الساعات الأولى من الليل بمدينة 15 مايو، تحولت محاولة إنهاء الخلافات إلى مشهد دامٍ، بعدما أطلق المتهم، وهو مهندس، أعيرة نارية داخل جلسة الصلح، ليسقط أربعة أشخاص قتلى ويصاب اثنان آخران، وكانت الصدمة الأكبر أن ابنته، التي كان يفترض أن تكون جزءًا من الحل، أصبحت واحدة من ضحايا الجريمة.

هكذا انتهت محاولة الإصلاح.. لا بعودة الزوجة إلى منزل الزوجية، ولا باتفاق على رؤية الأبناء، وإنما بأربعة جثامين داخل المكان الذي اجتمع فيه أفراد الأسرة بحثًا عن كلمة تنهي الخلاف.

"من خلاف على الأسرة.. إلى خلاف على الأبناء"

بحسب المعلومات المتاحة، بدأت الأزمة بعد انفصال المتهم عن زوجته، وتطورت الخلافات بينهما إلى نزاع حول الأبناء، في ظل صدور أحكام قضائية تتعلق بحق الأب في رؤيتهم، وهو ما جعل العلاقة بين الطرفين أكثر توترًا.

ومع استمرار الخلاف، لم يعد الأمر مجرد انفصال بين زوج وزوجة، بل أصبح الأب بعيدًا عن أبنائه وسط نزاع عائلي وقضائي، إلى أن جاءت جلسة الصلح التي جمعت أفرادًا من أسرة طليقته في محاولة لإنهاء الخلافات وإيجاد حل يسمح بعودة الهدوء إلى الأسرة لكن ما حدث داخل الجلسة كان أبعد ما يكون عن الصلح.

"الابنة التي حضرت جلسة الصلح.. خرجت منها جثة"

كانت جنة الله إياد محمد، 22 عامًا، طالبة بخدمة اجتماعية بجامعة حلوان، واحدة من الموجودين في محيط الواقعة، لكنها لم تكن تتوقع أن تنتهي حياتها داخل جلسة يفترض أنها مخصصة لإنهاء خلافات عائلتها.

سقطت جنة الله بين الضحايا، لتصبح المفارقة الأكثر قسوة في القضية؛ فبينما كان الخلاف يدور حول الأسرة والأبناء، فقدت الأسرة واحدة من أبنائها.

ولم تكن جنة الله وحدها؛ فقد لقي هاني محمد حنفي، 45 عامًا، وأحمد محمد حنفي، 42 عامًا، وهما شقيقا طليقة المتهم، مصرعهما، إلى جانب محمد أحمد خليل، 50 عامًا، زوج ابنة خالة طليقة المتهم.

كما أصيب عابد إياد محمد أحمد، 21 عامًا بطلق ناري في القدم اليمنى، وأصيب إياد محمد أحمد، 45 عامًا بطعنة نافذة في الظهر، ونُقلا إلى المستشفى لتلقي العلاج.

"لحظات الصلح تحولت إلى المقابر"

مع تصاعد التوتر داخل جلسة الصلح، انقلب المشهد في لحظات، وتحولت الكلمات إلى أعيرة نارية، لتسقط الضحايا الواحد تلو الآخر.

وفور تلقي الأجهزة الأمنية البلاغ، انتقلت القوات إلى موقع الحادث، وبدأت أعمال الفحص والمعاينة، وتمكنت القوات من ضبط المتهم والتحفظ على السلاح المستخدم، فيما بدأت النيابة العامة التحقيق في الواقعة وسماع أقوال المصابين والشهود وفحص الأدلة والتقارير الفنية.

"تحريات المباحث تبحث عن اللحظة التي انكسر فيها الصلح"

وتعمل أجهزة البحث الجنائي على إعادة بناء المشهد كاملًا، لمعرفة ما سبق إطلاق النار مباشرة، وما دار داخل جلسة الصلح، وما إذا كان هناك تصاعد في المشادة قبل وقوع الجريمة.

وتأتي التحريات تحت قيادة اللواء علاء بشندي، مدير الإدارة العامة لمباحث القاهرة، وبإشراف العميد محمد رضا، رئيس قطاع جنوب القاهرة، وبقيادة المقدم/ احمد مصلح رئيس مباحث قسم شرطة 15 مايو.

وتسعى الأجهزة الأمنية إلى تحديد التسلسل الزمني الدقيق للواقعة، وسماع روايات المصابين والشهود، وفحص السلاح والأدلة الجنائية، للوصول إلى الصورة الكاملة لما جرى داخل جلسة الصلح.

ربما تكون أكثر ما يوجع في هذه القصة أن الضحايا لم يكونوا في مكان مجهول أو طريق مقطوع، بل كانوا مجتمعين داخل محيط عائلي، يحاولون إنهاء خلاف

كان الهدف أن تنتهي الخصومة.

لكن انتهت حياة أربعة أشخاص.

وبعد انتهاء أعمال الصفة التشريحية، صرحت النيابة بدفن الجثامين، لتتحول جلسة الصلح التي بدأت بأمل في عودة الهدوء إلى موعد مع أربعة جنائز.

وتبقى التفاصيل الكاملة لما حدث داخل تلك الساعات رهن تحقيقات النيابة العامة، التي تواصل الاستماع إلى الشهود والمصابين وفحص الأدلة، للوصول إلى الدافع الكامل وراء الجريمة وتحديد المسؤوليات القانونية.