يحل اليوم، 15 أغسطس، ذكرى ميلاد الفنان محمد فوزي، أحد أبرز نجوم الغناء والتلحين والسينما في القرن العشرين، والذي نجح خلال مسيرته الفنية القصيرة في الجمع بين موهبة المطرب والملحن والممثل والمنتج، ليترك إرثًا فنيًا لا يزال حاضرًا في وجدان الجمهور حتى اليوم.
لم يكن محمد فوزي مجرد مطرب ظهر وسط جيل من عمالقة الفن، أو نجم سينمائي ارتبط بالأغنية والاستعراض، بل كان فنانًا متعدد المواهب، سبق عصره في مجالات عدة، فغنى ولحن ومثل وأنتج، كما خاض تجربة صناعة الأسطوانات، ليصبح واحدًا من أبرز الأسماء في تاريخ الموسيقى والسينما المصرية.
ذكرى ميلاد محمد فوزي
وُلد محمد فوزي في قرية كفر أبو جندي التابعة لمركز طنطا، وسط أسرة كبيرة، وكان واحدًا من 25 ابنًا وابنة، من بينهم المطربة هدى سلطان. ومنذ طفولته، ارتبط بالموسيقى، فكان يستمع إلى الأغاني ويحاول تقليدها، قبل أن تتحول موهبته إلى مشروع فني حقيقي.
تلقى فوزي تعليمه في مدرسة طنطا الابتدائية، وهناك بدأ دراسة الموسيقى على يد محمد الخربتلي، أحد أصدقاء والده، والذي كان يعمل في مصلحة المطافئ. ولم تقتصر علاقتهما على دروس الموسيقى، إذ اصطحبه الخربتلي إلى الموالد والليالي والأفراح، ليكتشف الصبي مبكرًا شغفه بالغناء أمام الجمهور.
وتأثر محمد فوزي بأعمال أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وكان يردد أغانيهما في المناسبات واحتفالات مولد السيد البدوي. وبعد حصوله على الشهادة الإعدادية، انتقل إلى القاهرة والتحق بمعهد فؤاد الأول للموسيقى، لكنه لم يستمر في الدراسة طويلًا، بعدما جذبه العمل الفني ورغب في خوض التجربة بنفسه.
كانت القاهرة محطة مهمة في بداية مشواره، فعمل أولًا في ملهى الشقيقتين رتيبة وإنصاف رشدي، ثم انتقل إلى صالة بديعة مصابني، حيث التقى عددًا من نجوم الموسيقى والغناء، من بينهم فريد الأطرش ومحمد عبد المطلب ومحمود الشريف، وشارك في تلحين الاسكتشات والاستعراضات، لتبدأ ملامح شخصيته الفنية في الظهور.
من رسوب الإذاعة إلى نجومية السينما
وعندما تقدم محمد فوزي لاختبارات الإذاعة في سن العشرين، تعرض لمفارقة لافتة، إذ رسب كمطرب، لكنه نجح كملحن. ولم يكن هذا التعثر نهاية الطريق، بل ربما كان بداية لمرحلة جديدة قادته إلى السينما، التي منحته المساحة لإظهار مواهبه المتعددة.
وفي عام 1944، ظهر فوزي في فيلم «سيف الجلاد» بدور صغير، قبل أن تأتي انطلاقته الحقيقية بعدما شاهده المخرج محمد كريم، واختاره لبطولة فيلم «أصحاب السعادة». ومنذ ذلك الوقت، بدأ اسمه في اللمعان، وتحول خلال سنوات قليلة إلى أحد أبرز نجوم السينما الغنائية والاستعراضية.
ولم يتوقف طموحه عند الغناء والتمثيل والتلحين، إذ أدرك مبكرًا أهمية امتلاك أدوات الإنتاج، فأسس عام 1947 شركته السينمائية، ثم اتجه لاحقًا إلى مجال صناعة الأسطوانات، في خطوة كشفت عن رؤيته المختلفة للفن وصناعته.
وفي عام 1958، أسس شركة «مصرفون»، التي أحدثت تحولًا في سوق الأسطوانات آنذاك، بعدما قدمت إنتاجًا بأسعار أقل من الشركات الأجنبية، ونجحت في ضم أعمال عدد من كبار نجوم الغناء إلى إنتاجها، ليصبح فوزي بذلك فنانًا ورجل صناعة في الوقت نفسه، يسعى إلى تأسيس مشروع موسيقي مصري قادر على المنافسة.
لكن مسيرته لم تخلُ من الأزمات، ففي عام 1961 تم تأميم شركته وتعيينه مديرًا لها، وهي التجربة التي تركت أثرًا نفسيًا بالغًا عليه، قبل أن تبدأ معاناته مع المرض، والتي انتهت بوفاته في 20 أكتوبر 1966 عن عمر ناهز 48 عامًا.
ورغم رحيله المبكر، ترك محمد فوزي إرثًا فنيًا كبيرًا، فلحن لنفسه ولعدد من أبرز مطربي عصره، من بينهم محمد عبد المطلب وليلى مراد وهدى سلطان ونجاح سلام وغيرهم. كما ارتبط اسمه بلحن «قسما»، النشيد الوطني الجزائري، من كلمات شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكريا.
ولا تزال مجموعة من أغنياته حاضرة حتى اليوم، خاصة أغاني الأطفال مثل «ماما زمانها جاية» و«ذهب الليل»، إلى جانب أعماله الوطنية والدينية، لتبقى تجربة محمد فوزي واحدة من التجارب الفنية التي تجاوز تأثيرها سنوات حياته، وتحول صاحبها إلى علامة بارزة في تاريخ الفن المصري.
