القصة الكاملة

محمد عبدالوهاب يكتب: «الدواويس شغل بلا عودة».. و18 شهيد ومأتم جماعي

13 أغسطس 2026 05:09 ص

محمد عبدالوهاب

محمد عبدالوهاب يكتب

ما أسرع أن تتشابه الصور، وما أشد قسوة هذه المأساة التي تعيد نفسها مع كل فجرية!

مرة أخرى نجد أنفسنا أمام فاجعة تستنفد صرخات الحزن من القلوب، خبر يبدأ بنفس الكلمات الحزينة: "في طريقهم لقمة العيش".. وينتهي بتشييع جثامين في جنازات جماعية تُبكي الحجر.

أمس بالأمس القريب، بكت مصر كاملة وهي تشيع 18 فتاة في عمر الزهور، "فتيات العنب" اللاتي خرجن من قرية "كفر السنابسة" بالمنوفية يبتغين رزقاً حلالاً، فصدمتهن يد الإهمال والسرعة النزقة على الطريق الإقليمي ليتحول الأمل إلى مأتم ضخم…واليوم، يتكرر المشهد حرفياً وبنفس الرقم المرعب.. 18 شاباً في زهرة شبابهم يلقون حتفهم في حادث مروع على طريق "الدواويس" بالإسماعيلية، من بينهم 6 أشقاء من أسرة واحدة

ستة أشقاء خرجوا في نفس السيارة، يحملون نفس الملامح والهموم والأحلام، ليُعدوا في نفس الجنازة، ويُكفنوا بنفس الدموع، يتركون أمّاً وأباً يتساءلان في حسرة يفتتها الألم: "كيف تُدفن عائلة كاملة وتغلق أضواء البيت في يوم واحد؟".

إنهم ليسوا مجرد أرقام تُضاف إلى أحصائيات حوادث الطرق، بل هم قصص إنسانية كاملة الأركان تُغتال على الأسفلت... هم طائفة العمالة غير المنتظمة، الكادحون الذين يخرجون قبل بزوغ الشمس، يتزاحمون في صندوق سيارة "ربع نقل"، يتشبثون بالحديد والرياح للوصول إلى مزارعهم… أحدهم يجمع ثمن دواء لوالده، وآخر يجهز شقيقته، وتلك تدخر لتعليم إخوتها.

لماذا يتحول سعي البسطاء خلف الرزق إلى رحلة ذهاب بلا عودة؟ وكيف تتحول الوسيلة التي تنقلهم لقمة العيش إلى "مقبرة متحركة" تسير على الطرق؟

إن الربط بين فاجعة "فتيات العنب" وفاجعة "شهداء الدواويس" يفتح باباً واسعاً من الأسئلة المستحقة: إلى متى تظل سيارات النقل المفتوحة هي وسيلة الأمان الوحيدة لعمال الزراعة؟ ومتى تنتهي طيش السرعة التي تحول الطرق الداخلية إلى ساحات إعدام جماعي؟

المطلوب اليوم ليس مجرد تعازٍ ولا بيانات حزن رسمية، بل قرارات صارمة تمنع نقل الآدميين في صناديق الشاحنات، وفرض رقابة رادعة.

 رحم الله شهداء لقمة العيش، والصبر لقلوب الأمهات المكلومة.. فالبسطاء يستحقون أن يعودوا لأسرهم سالمين محملين بالرزق، لا داخل أكفان.