سياسة

ليبيا تحت النار.. المسيّرات تضرب الطاقة والاغتيال يهز بنغازي والمصرف المركزي يدخل العاصفة

12 أغسطس 2026 10:37 م

علاء الدين فيصل

 اغتيال مدير إدارة الاستخبارات العسكرية اللواء فوزي المنصوري

تتسع دائرة التوتر في ليبيا مع تصاعد الهجمات على منشآت الطاقة في الزاوية غربي البلاد بالتزامن مع اغتيال مدير إدارة الاستخبارات العسكرية اللواء فوزي المنصوري في بنغازي شرقي البلاد ودخول مصرف ليبيا المركزي على خط الأزمة بعد طلب محافظه ناجي عيسى إعفاءه من منصبه.

ويكشف تزامن هذه التطورات عن مشهد يتجاوز حدود الهجمات المتفرقة على منشآت حيوية ليفتح الباب أمام تساؤلات حول دخول ليبيا مرحلة جديدة من الصراع على النفوذ تستخدم فيها المنشآت الحيوية والمؤسسات السيادية والمسؤولون الأمنيون والاقتصاديون كأدوات للضغط.

الزاوية تحت نيران المسيّرات

شهدت الزاوية خلال أيام سلسلة هجمات طالت منشآت حيوية بدأت بخزانات ومرافق نفطية قبل أن تمتد إلى منشآت الكهرباء دون إعلان رسمي عن هوية المنفذين أو أهدافهم.

وأعلنت الشركة العامة للكهرباء استهداف محطة التحويل 30/11 كيلوفولت جنوبي الزاوية مما أدى إلى احتراقها بالكامل وخروجها من الخدمة وانقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة.

كما تعرضت مرافق في محطة إنتاج كهرباء الزاوية للاستهداف وسط تحذيرات من تداعيات قد تمتد إلى استقرار الشبكة في مناطق أخرى.

وتزداد خطورة التصعيد بسبب الأهمية الاستراتيجية للزاوية التي تضم مصفاة نفط ومنشآت لتخزين الوقود وتوزيعه ومحطة لإنتاج الكهرباء فضلا عن موقعها على طرق حيوية في غرب ليبيا.

ويعني استهداف منشأة واحدة إمكانية تعطيل الإنتاج والتخزين وإرباك توزيع الوقود والكهرباء ورفع تكاليف الصيانة والتأمين.

منشآت الطاقة تتحول إلى قلب الصراع

كانت هجمات سابقة على خزانات الوقود في مصفاة الزاوية قد أثارت مخاوف بشأن سلامة المنشأة واستمرار عملياتها فيما تابعت المؤسسة الوطنية للنفط الأضرار التي لحقت بحظيرة الخزانات.

ويشير تكرار الهجمات إلى أن منشآت الطاقة لم تعد مجرد ضحية جانبية للصراع بل أصبحت في قلب معادلة النفوذ.

صراع الميليشيات على الامتيازات

يربط أستاذ العلوم السياسية الليبي عبد الوهاب الحار ما يجري في الزاوية بصراع الميليشيات على الامتيازات معتبرا أن التصعيد بلغ مستوى غير مسبوق.

وأوضح الحار أن أطرافا فقدت السيطرة على مواقع مؤثرة في مصفاة الزاوية باتت تتعامل بمنطق علي وعلى أعدائي حتى لو أدى ذلك إلى الإضرار بالنفط والمصفاة والمنشآت الحيوية.

وأضاف أن الصراع دخل مرحلة كسر العظم وأن بعض الأطراف تستخدم أدوات أكثر خطورة للبقاء داخل دائرة النفوذ وعدم الخروج من معادلة السلطة والامتيازات.

وتعكس هذه القراءة طبيعة الصراع في غرب ليبيا حيث لا ترتبط القوة بالسيطرة العسكرية على الأحياء والمقار فقط بل تمتد إلى القدرة على التحكم في الموارد والمنشآت التي توفر الوقود والكهرباء ومصادر الدخل.

لماذا أصبحت المسيّرات سلاحا مفضلا

يتيح استخدام الطائرات المسيّرة استهداف منشآت محددة دون خوض مواجهة مباشرة كما يزيد صعوبة تحديد الجهة المنفذة خاصة في ظل غياب إعلان المسؤولية.

ويرى الحار أن المسيّرات أصبحت أكثر توافرا وأسهل استخداما وتمنح مستخدميها قدرة أكبر على الوصول إلى أهداف بعينها وهو ما يفسر وفق تقديره تزايد الاعتماد عليها مع احتدام صراع المجموعات المسلحة.

وأشار إلى أن استمرار العمليات قد يؤدي إلى إقصاء بعض المجموعات من دائرة الامتيازات والنفوذ في تكرار لنمط شهدته ليبيا سابقا عندما كانت المواجهات تنتهي بتغلب مجموعة على أخرى.

ومع تكرار الهجمات بالطريقة نفسها لا يتوقف السؤال عند هوية المنفذين بل يمتد إلى الجهات التي تمتلك المسيّرات والقدرة التقنية على تشغيلها.

النفط يتحول إلى ورقة ضغط

يقدم المحلل السياسي الليبي خالد الشارف قراءة أخرى ترى أن الهدف قد لا يكون تدمير مصفاة الزاوية بقدر ما يتمثل في إثبات القدرة على التحكم في شريان اقتصادي حيوي.

وأوضح الشارف أن النفط تحول من مصدر للدولة إلى ورقة ضغط سياسية وأن الطرف القادر على تعطيل منشآت الطاقة يكتسب وزنا أكبر على طاولة التفاوض.

وأضاف أن تكرار الضربات الدقيقة بالمسيّرات بدلا من القصف العشوائي المصاحب للاشتباكات يوحي بوجود قدرة على اختيار الأهداف النفطية واستهدافها بصورة متكررة.

المحلل السياسي الليبي خالد الشارف

ويرى الشارف أن المسيّرات المستخدمة ليست متاحة للجميع وأن الجهات التي تمتلكها قد تكون معروفة لدى أطراف في الدولة مما يجعل الهجمات أقرب إلى رسائل متبادلة بين المتصارعين.

كما ربط بين الضغط على منشآت الطاقة والصراع على ترتيبات المرحلة المقبلة مرجحا أن يكون طرف ليبي متضررا من التسوية السياسية الجديدة ويحاول رفع ثمن مشاركته والحصول على حصة أكبر من النفوذ.

مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس

وأشار إلى المبادرة الأميركية التي يرعاها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس والهادفة إلى جمع سلطات الشرق والغرب ضمن مرحلة انتقالية تقود إلى الانتخابات.

لكن الربط بين الهجمات والمسارات السياسية يظل قراءة تحليلية في ظل عدم صدور نتائج رسمية للتحقيقات أو إعلان جهة مسؤوليتها.

اغتيال يهز بنغازي

إذا كانت الزاوية تقدم نموذجا لاستهداف البنية التحتية الاقتصادية فإن اغتيال مدير إدارة الاستخبارات العسكرية اللواء فوزي المنصوري في بنغازي يضيف بعدا أمنيا شديد الحساسية.

فالعملية استهدفت مسؤولا يشغل موقعا بارزا داخل المؤسسة العسكرية والأمنية مما يثير تساؤلات حول اتساع دائرة الصراع لتشمل مراكز أكثر حساسية.

ولا يفصل رئيس المنظمة الليبية للتنمية السياسية جمال الفلاح بين ما يحدث في الزاوية والتطورات الأخرى التي شهدتها البلاد.

رئيس المنظمة الليبية للتنمية السياسية جمال الفلاح 

وقال الفلاح إن استهداف الوقود والكهرباء في الغرب بالمسيّرات تزامن مع استخدام عبوة ناسفة في اغتيال المنصوري والضغوط التي انتهت بطلب محافظ مصرف ليبيا المركزي إعفاءه.

واعتبر أن هذا التزامن يشير إلى مرحلة شديدة الحساسية محذرا من محاولات لخلق فوضى مالية واقتصادية وسياسية وأمنية.

وذهب الفلاح إلى أن أطرافا قد تسعى للضغط على ليبيا من أجل قبول شروط ومبادرات دولية بحيث يتحول استقرار البلاد إلى ورقة للمقايضة مقابل تنازلات سياسية.

المصرف المركزي يدخل دائرة الأزمة

جاء الحديث عن طلب محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى إعفاءه من منصبه في توقيت دقيق بعدما كان يعقد خلال الأسابيع السابقة اجتماعات بشأن الاستقرار النقدي والإصلاحات المالية وفق البيانات الرسمية للمصرف.

وبذلك يدخل المصرف المركزي ولو من زاوية مختلفة ضمن مشهد تتداخل فيه المؤسسات السيادية مع الصراع على إدارة الموارد وترتيبات المرحلة المقبلة.

محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى 

فالنفط يوفر الإيرادات والكهرباء تمس الحياة اليومية مباشرة بينما يمثل المصرف المركزي إحدى أهم أدوات إدارة السيولة والإنفاق وسعر الصرف والاستقرار المالي.

ليبيا أمام موجة ضغوط متزامنة

بين المسيّرات التي تستهدف منشآت الطاقة والاغتيال الذي طال مسؤولا أمنيا بارزا والاضطراب داخل المصرف المركزي تبدو ليبيا أمام موجة جديدة من الضغوط المتزامنة.

ورغم عدم وجود أدلة رسمية تثبت وقوف جهة واحدة خلف هذه التطورات فإن تزامنها يجعل من الصعب وفق مراقبين فصل كل واقعة عن السياق العام.

 المسيّرات 

ويبقى السؤال الأبرز حول الجهة التي ستستفيد من هذه التطورات والمسار الذي ستقود إليه ليبيا في ظل تداخل المسارات الأمنية والاقتصادية والسياسية وترتيبات المرحلة الانتقالية المقبلة.