أخبار

رسائل من الإسكندرية.. وزير العمل: الحماية الاجتماعية أساس الاستثمار وخدمة المواطن أولوية

30 يوليو 2026 03:42 م

نورا محمد

 وزير العمل

حملت جولة وزير العمل حسن رداد بمحافظة الإسكندرية، أمس الأربعاء، رسائل سياسية وتنفيذية واضحة، كشفت عن ملامح مرحلة جديدة في إدارة ملف العمل داخل الدولة المصرية، تقوم على معادلة متوازنة تؤكد أن الاستثمار لا يزدهر إلا في بيئة عمل مستقرة، وأن الحماية الاجتماعية ليست عبئًا على الاقتصاد، بل ركيزة أساسية لزيادة الإنتاج، وأن خدمة المواطن هي المعيار الحقيقي لنجاح المؤسسات الحكومية.

وجاءت الجولة، التي رافقه خلالها المهندس أيمن عطية، محافظ الإسكندرية، وقيادات مديرية العمل، ترجمةً عملية لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي ببناء الإنسان المصري، وربط التنمية الاقتصادية بالعدالة الاجتماعية، وتحويل مؤسسات الدولة من جهات تقدم خدمات تقليدية إلى مؤسسات فاعلة تصنع فرصًا حقيقية للحياة والعمل والإنتاج.

وقدمت الزيارة نموذجًا متكاملًا لفلسفة وزارة العمل الجديدة، التي تتحرك في أكثر من اتجاه في الوقت نفسه؛ فمن تسليم عقود العمل، وتكريم خريجي التدريب المهني، وافتتاح ملتقى للتوظيف داخل معهد "دون بوسكو"، مرورًا بزيارة العمالة غير المنتظمة بموقع مشروع القطار السريع، وانتهاءً بجولة داخل أحد أكبر مصانع الإطارات العالمية، ثم زيارة مديرية العمل، بدا واضحًا أن الوزارة تتعامل مع منظومة العمل باعتبارها سلسلة مترابطة تبدأ بالتأهيل، ثم التشغيل، فالحماية، ثم دعم الاستثمار، وصولًا إلى تقديم خدمة حكومية تليق بالمواطن.

وتمثلت الرسالة السياسية الأبرز في الجولة في أن الدولة لم تعد تنظر إلى العامل باعتباره مجرد عنصر إنتاج، وإنما باعتباره محورًا رئيسيًا في عملية التنمية. ولذلك جاءت متابعة أوضاع العمالة غير المنتظمة، واستخراج شهادات قياس المهارة مجانًا، والتأكيد على دمجها في سوق العمل الرسمي، باعتبارها خطوات تعكس اتساع مفهوم الحماية الاجتماعية، ليشمل الاعتراف بمهارات العامل، وتأمين مستقبله، ودمجه في الاقتصاد الرسمي، بما يحفظ حقوقه ويعزز استقرار سوق العمل.

وفي المقابل، لم تغفل الجولة الرسالة الموجهة إلى المستثمرين. فمن داخل مصنع "بروميتيون" للإطارات، أكد الوزير أن وزارة العمل أصبحت شريكًا في التنمية والاستثمار، عبر إنشاء وحدة مركزية لتيسير أعمال المستثمرين، والتدخل السريع لحل مشكلات علاقات العمل، بما يحقق الاستقرار داخل مواقع الإنتاج. وهي رسالة تؤكد أن الدولة تؤمن بأن المستثمر والعامل شريكان في معركة التنمية، وأن استقرار العلاقة بينهما هو الضمان الحقيقي لاستمرار الإنتاج وزيادة التنافسية.

ولعل أبرز ما لفت الانتباه في الجولة هو الربط المباشر بين الحماية الاجتماعية والإنتاجية؛ فالوزير لم يتحدث عن حقوق العمال باعتبارها شعارات، بل باعتبارها أدوات اقتصادية تعزز الانتماء والولاء للمؤسسة، وتنعكس على جودة الإنتاج وكفاءة الأداء، وهي رؤية تتوافق مع الاتجاهات العالمية التي تعتبر الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر ربحية واستدامة.

كما حملت زيارة مديرية العمل بالإسكندرية دلالة مهمة، حيث أكد الوزير للعاملين أن خدمة المواطن تأتي على رأس الأولويات، وأن حسن الاستقبال وسرعة إنجاز الخدمات يمثلان معيارًا أساسيًا لتقييم الأداء، بما يعكس تحولًا في فلسفة الإدارة الحكومية، يقوم على أن نجاح السياسات لا يقاس بعدد القرارات، وإنما بما يلمسه المواطن من احترام وسهولة في الحصول على الخدمة.

وسياسيًا، أكدت الجولة أن ملف العمل أصبح أحد أهم أدوات الدولة لتحقيق أهداف "الجمهورية الجديدة"، من خلال بناء سوق عمل منظم، وتحقيق التوازن بين العدالة الاجتماعية وجذب الاستثمار، وتطوير منظومة التدريب المهني، ودمج العمالة غير المنتظمة، ودعم القطاع الخاص، ورفع كفاءة الخدمات الحكومية في آن واحد.

أما اقتصاديًا، فقد بعثت الجولة برسائل طمأنة إلى مجتمع الأعمال، مفادها أن الدولة تمضي في تحسين بيئة الاستثمار، ليس فقط عبر التشريعات، وإنما أيضًا من خلال وزارة عمل تتعامل مع المستثمر باعتباره شريكًا في التنمية، ومع العامل باعتباره قيمة مضافة، ومع المواطن باعتباره صاحب الحق الأول في الحصول على خدمة حكومية لائقة.

وفي الختام، يمكن القول إن جولة وزير العمل في الإسكندرية لم تكن مجرد متابعة لعدد من الفعاليات، بل مثلت إعلانًا عمليًا عن فلسفة جديدة في إدارة ملف العمل، عنوانها أن الحماية الاجتماعية ليست نقيضًا للاستثمار، بل ضمانة لاستدامته، وأن خدمة المواطن ليست إجراءً إداريًا، بل جوهر بناء الدولة الحديثة. ومن هنا، بدت الإسكندرية، خلال هذه الجولة، نموذجًا مصغرًا لما تسعى الدولة المصرية إلى ترسيخه على أرض الواقع: اقتصاد قوي، واستثمار جاذب، وعامل يتمتع بالحماية، ومواطن يحظى بخدمة كريمة، في إطار رؤية تنموية شاملة تضع الإنسان في قلب عملية التنمية.