القصة الكاملة

"ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين".. نص خطبة الجمعة اليوم

03 يوليو 2026 11:33 ص

حبيبة محمد

أرشيفية

حددت وزارة الأوقاف، موضوع خطبة الجمعة اليوم في جميع مساجد الجمهورية التابعة لوزارة الأوقاف، تحت عنوان ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين، وذلك بمناسبة ثورة 30 يونيو.

نص خطبة الجمعة اليوم 

الحمد لله الذي فاوت بين العباد، وفضَّلَ بعض خلقه على بعض، حتى في الأمكنة والبلاد، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، أفصح من نطق بالضاد، وعلى آله وصحبه السادة الأمجاد؛ أما بعد:

فمن أجلِّ نعم الله تعالى على مصرنا الحبيبة نعمة الأمن والأمان، فبالأمن والأمان تتوحد نفوس العباد، وتزدهر حياة الخلق، وتُغدق الأرزاق، ويتعارف الناس، وتُتَلقى العلوم من منابعها الصافية، ويزداد الحبل الوثيق بين الأمة وقادتها، وتتوثق الروابط بين أفراد المجتمع، فتتوحد كلمتهم، ويأنس جميعهم، ويتبادلون منافعهم، وتقام شعائر دينهم بطُمأنينة، ويعمرون الأرض، ويبنون الحضارة، ويتوسعون في العمران، فيسعدون دُنيا وأخرى.

وإذا اختل الأمن تبدل الحال، ولم يهنأ أحد منهم براحة بال، فيلحق الناس الفزع في عبادتهم، وتُهجر دور العبادة، وتتقطع أواصر المودة بينهم، وتُعاق نهضتهم، وينضب وصول الخير إلى الآخرين، وينقطع تحصيل العلم وملازمة العلماء، ولا توصل الأرحام، ويئن المريض فلا دواء ولا طبيب، وتختل المعايش، وتُهجر الديار، وتفارَق الأوطان، وتتفرق الأسر، وتنتقض عهود ومواثيق، وتبور التجارة، ويتعسر طلب الرزق، وتتبدل طباع الخلق، فيظهر الكذب والشح والخيانة، فيشقى الخلق دُنيا وأخرى.

مصر بلد الأعاجيب ولا عجب!

إن مصر بلد مكرَّم عند الله تعالى، منحه الله تعالى من الحفظ والرعاية ما لم يعط بلدًا مثله في الدنيا، قال الإمام الكِندي في "فضل مصر": "بمصر العجائب والبركات، فجبلها المقدس، ونيلها المبارك، وبها الطور الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام؛ وبها الوادي المقدس، وبها ألقى موسى عصاه، وبها فلق البحر لموسى، وبها ولد موسى وهارون، وبها كان ملك يوسف، وبها مسجد إبراهيم، ومسجد يعقوب، ومسجد موسى، ومسجد يوسف، ومسجد مارية سرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبها مجمع البحرين وهو البرزخ الذي قال الله تعالى: ﴿مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَیۡنِ یَلۡتَقِیَانِ ۝١٩ بَیۡنَهُمَا بَرۡزَخࣱ لَّا یَبۡغِیَانِ﴾ [الرحمن: ١٩ - ٢٠].

ومصر عند الحكماء العالَمُ الصغير، سليلُ العالم الكبير؛ لأنه ليس في بلد غني غريب إلا وفيها مثله وأغرب منه، وتفضل على البلدان بكثرة عجائبها". [حسن المحاضرة للسيوطي بتصرف].

وقد أشار إلى ذلك ابن خلدون في «المقدمة» حيث قال: «ولا أوفر اليوم في الحضارة من مصر، فهي أم العالم، وإيوان الإسلام، وينبوع العلم والصنائع».

ففضل الله تعالى على هذا البلد عظيم، وخيره عميم، لا يستطيع العبد أن يحصره أو يحصيه.

وكان من جملة حلول الأمن والأمان على أهل هذا البلد، أنه بلد أحبه الأنبياء، واستوطنه الأولياء، وآل إليه أهل البيت الكرام، فنعمت مصر وسعدت، إذ قبور الصالحين محل نزول الرحمات، وعين محل العناية الإلهية.

مصر مهبط الأنبياء عليهم السلام وموطن الأولياء
لقد صان الله تعالى مصر وجعل أفئدة الأنبياء والأولياء تهوي إليها، فكانت نعم المقام والمستقر، بها أعلى الله تعالى دينه، ومنها خرجت معالم الحضارة إلى الدنيا، ووصلت خيراتها إلى أقطار الأرض شرقًا وغربًا.

فاستوطنها الأنبياء وعاشوا بها، ومشوا في رحابها، واستعذبوا ماءها، حتى قال الحافظ السيوطي رحمه الله مفتخرا بمن نزلها من الأنبياء والأولياء:

قد حل مصرَ على ما قد رَوَوا زمرٌ... من النبيين زادوا مصر تأنيسا
فهاك يوسف والأسباط مع أبِهِ... وحافدا، وخليل الله إدريسا
لوطًا وأيوبَ ذا القرنين خضرَ سليم... ان أرميا يوشعا هارون معْ موسى

وأمه سارة لقمان آسية... ودانيال شعيبًا مريمًا عيسى

شيثًا ونوحًا وإسماعيل قد ذكروا... لا زال من ذكرهم ذا المصر مأنوسا.

حسن المحاضرة.

وأخرج ابن عبد الحكم عن اللَّيث بن سعد قال: سأل المُقَوْقِس عمرو بن العاص رضي الله عنه أن يبعه سفح المُقَطّم بسبعين ألفَ دينار، فعجب عمرو من ذلك، وقال: أكتب في ذلك إلى أمير المؤمنين، فكتب بذلك إلى عمر رضي الله عنه، فكتب إليه عمر: سَلْه لم أعطاك به ما أعطاك؟ وهي لا تزرع ولا تستنبط به ماء، ولا ينتفع بها؟ فسأله فقال: إنا لنجد صفتها في الكتب أنَّ فيها غراس الجنة، فكتب بذلك إلى عمر: فكتب إليه عمر: إنا لا نعلم غراس الجنة إلا للمؤمنين، فاقبر فيها مَنْ قِبَلك من المسلمين ولا تبعه بشيء"، فتوح مصر والمغرب.

فدفن في مصر وفي جبل المقطم خيار الصحابة والتابعين والأولياء والصالحين، وأول من دفن فيها رجل من المعافر، يقال له عامر، فقيل: عمرت.

ثم سيدنا عمرو بن العاص، وعبد الله بن حذافة السهمي، وعبد الله بن الحارث الزبيدي، وأبو بصرة الغفاري، وعقبة بن عامر الجهني وغيرهم من الصحب الكرام رضي الله عنهم.

ثم الإمام الليث بن سعد، والإمام الشافعي، والإمام الشاطبي إمام القراءات، والعز بن عبد السلام، وغيرهم خلائق لا يحصون.

ناهيك عن آل البيت الكرام بمساجدهم العامرة المنورة الميمونة.

فعلى أرض مصر تعانقت القلوب وتسامحت، وتصافح المحب والمحبوب، والتقى يوسف بأبيه نبي الله يعقوب، وظهر مدد السابق للاحق، وتعطرت أرجاء البلاد بخير العلماء والزهاد.

نعمة الأمن قرينة الشكر ونسبة الفضل المطلق إلى الله تعالى
لم يقل نبي الله سيدنا يوسف عليه السلام: "ادخلوا مصر آمنين"، بل قال: "إن شاء الله آمنين"، وسر هذا الاستثناء أنه عليه السلام راعى مقام الأدب مع مولاه، فكأنه يقول: يا رب اجعل مصر آمنة مطمئنة بفضلك وجودك ورحمتك يا كريم، فمن الأدب مع الله عزّ وجل قولك: (إن شاء الله) عندما تخبر عن أمر تنوي فعله مستقبلًا، أو مقصد تريد تحقيقه؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَا۟یۡءٍ إِنِّی فَاعِلࣱ ذَٰلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤].

ومما يدل على أهمية هذا الأدب وعلو شأنه: هو أن الله سبحانه وتعالى قد استثنى في كلامه تعليمًا لنا على سلوك هذا الأدب معه سبحانه، فقال: ﴿لَّقَدۡ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءۡیَا بِٱلۡحَقِّۖ لَتَدۡخُلُنَّ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ ءَامِنِینَ مُحَلِّقِینَ رُءُوسَكُمۡ وَمُقَصِّرِینَ لَا تَخَافُونَۖ﴾ [الفتح: ٢٧].

قال الإمام ثعلب رحمه الله: إن الله استثنى فيما يعلم، ليستثني الخلق فيما لا يعلمون.

وكذا في قول سيدنا إسماعيل عليه السلام لأبيه عندما عرض عليه أمر ذبحه: ﴿یَٰۤأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِیۤ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِینَ﴾ [الصافات: ١٠٢].

وكذا قول سيدنا شعيب لسيدنا موسى عليه السلام بعدما عرض عليه أن يكون أجيرًا عنده، كما في قوله تعالى: ﴿سَتَجِدُنِیۤ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰلِحِینَ﴾ [القصص: ٢٧].

وهذا يعلمنا أن أماننا مقرون ومشروط بقدرته وإرادته ومشيئته النافذة، وأنه سبحانه هو المتفضل المنعم على هذا البلد بنعمة الأمن والأمان، فاللهم لك الحمد أولًا وآخرًا.