في كرة القدم، تنشأ علاقة الجماهير بأبطالها عبر مسارين مختلفين،مسار يبدأ من الأزقة والميادين والقصص التي تتناقلها الألسن جيلاً بعد جيل، ومسار آخر يبدأ من الإنجاز نفسه، حين يفرض لاعب حضوره على الوعي الجمعي بقوة ما يقدمه داخل الملعب.
وبين هذين المسارين تقف قصة عمر مرموش باعتبارها واحدة من أكثر القصص اختلافاً في تاريخ الكرة المصرية الحديثة خصوصا أنها على النقيض من محمد صلاح.
محمد صلاح البطل الشعبوي
اعتاد المصريون أن يتابعوا رحلة البطل منذ خطواته الأولى، شاهدوا محمد صلاح لاعباً ناشئاً في صفوف المقاولون العرب، ثم تابعوا انتقاله إلى بازل السويسري، وعاشوا معه مراحل الصعود والتعثر والنجاح في كل محطة.

كانت قصة مكتملة التفاصيل؛ يعرف الجمهور بدايتها، ويتابع فصولها تباعاً، ويشعر أنه شريك في كل خطوة من خطواتها..أما عمر مرموش، فقد جاء من طريق آخر تماماً.
مرموش الغريب عن المصريين
لم يظهر مرموش في الوعي العام المصري عبر رحلة طويلة من المتابعة اليومية، لعب في قطاع الناشئين بوادي دجلة، ثم غادر إلى ألمانيا في سن مبكرة ليواصل تكوينه الكروي بعيداً عن الأضواء المصرية.
هناك تشكل اللاعب وتطور ونضج داخل بيئة احترافية لا يراها الجمهور المصري إلا من خلال نتائجها النهائية أو أرقام صماء يحققها مرموش.
وعندما استدعاه البرتغالي كارلوس كيروش إلى المنتخب الوطني، بدا الأمر للكثيرين وكأن لاعباً مجهولاً ظهر فجأة على المسرح الرئيسي.

لم يكن المصريون قد عاشوا تفاصيل رحلته، ولم يراقبوا مراحل تطوره، ولم يشاهدوا معاركه الصغيرة التي يخوضها كل لاعب شاب في طريقه نحو القمة، ظهر الاسم دفعة واحدة تقريباً، ثم بدأت الجماهير تكتشف ما يملكه من إمكانات.
هذه المفارقة ، فالجماهير غالباً ما تتعلق بالقصص التي تعرفها أكثر من تعلقها بالقصص التي تجهلها، الإنسان بطبيعته يميل إلى الحكاية التي عاش تفاصيلها، ويشعر بالقرب من البطل الذي شاهد خطواته الأولى.
ولهذا ارتبطت صورة محمد صلاح في الوجدان المصري برحلة طويلة امتدت لسنوات، تحولت خلالها تفاصيل حياته المهنية إلى جزء من الذاكرة الجماعية للمشجعين.
مرموش من "إيجيبت"
في المقابل، بدت رحلة مرموش أقرب إلى الغموض ،لم تحمل السردية الشعبية التقليدية التي يحب الجمهور تداولها. لم تتصدر قصة بداياته عناوين الصحف لسنوات طويلة، ولم تتشكل حوله الأساطير الصغيرة التي ترافق عادة صعود النجوم.
جاء من بيئة مستقرة، وتدرج في مسار احترافي واضح، ثم تطور بعيداً عن أعين المتابعين داخل المنظومة الألمانية وبلغتنا المصرية.. أصله من “إيجيبت مش من مصر”.
لهذا السبب تأخر الارتباط العاطفي بينه وبين قطاع واسع من الجماهير ،غير أن كرة القدم تمتلك قانوناً آخر أكثر قوة من الحكايات، وهو قانون الإنجاز.
.ولكن بعد استدعاء كيروش له وخلال فترة قصيرة تحول اسم عمر مرموش إلى عنوان رئيسي في الصحافة الرياضية الأوروبية وبالتبعية المصرية، ثم أصبح رقماً صعباً في واحد من أقوى الدوريات في العالم.
ثم جاءت الخطوة الأكبر بالانتقال إلى مانشستر سيتي، أحد أهم أندية العالم وأكثرها حضوراً في المشهد الكروي المعاصر... هنا لم يعد الحديث يدور حول موهبة واعدة أو مشروع لاعب كبير، وإنما عن نجم مصري وصل إلى قمة الهرم الكروي العالمي دون أن نرى طريقه.
ومع ذلك، يبقى هناك فارق بين النجم الكبير والبطل الشعبي.
النجم تصنعه الأندية والبطولات والأرقام، أما البطل الشعبي فتصنعه اللحظات الوطنية الكبرى…لهذا تبدو بطولة كأس العالم المقبلة فرصة استثنائية في مسيرة عمر مرموش، فالمنتخب الوطني يمتلك قدرة فريدة على إعادة تشكيل علاقة الجماهير بلاعبيها.

إذا نجح مرموش في قيادة المنتخب إلى إنجاز كبير، وإذا تحول إلى الوجه الأبرز في رحلة مصر بالمونديال، فإن صورته الجماهيرية ستدخل مرحلة جديدة تماماً.
عندها لن يكون مجرد لاعب مصري متألق في أوروبا، وإنما رمزاً لأحلام جيل كامل يبحث عن لحظة استثنائية في أكبر مسرح كروي على سطح الأرض.
وهنا تتجلى المفارقة الأجمل في قصته.
محمد صلاح صنع مكانته الجماهيرية عبر رحلة طويلة عاشها الناس معه خطوة بخطوة، أما عمر مرموش فيمتلك فرصة لصناعة مكانة مشابهة عبر المستقبل أكثر من الماضي ،فالجماهير قد تتعلق بالبدايات، لكنها تمنح حبها الأكبر لمن يحمل أحلامها في اللحظات المصيرية.

في النهاية ،إذا كٌتب لعمر مرموش أن يقود المنتخب المصري إلى مشهد تاريخي في كأس العالم، فإن قصته ستتحول من حكاية لاعب اكتشفه الجمهور متأخراً إلى قصة بطل وجد شعباً كاملاً نفسه فيه.

وعندها ستصبح الإنجازات الوطنية جزءاً من هويته الجماهيرية، وستمنحه مكانة تتجاوز حدود أي سردية شعبوية أو تفاصيل سيرة ذاتية، لأن البطولة في الذاكرة الجمعية لا تقاس بكيف بدأ البطل رحلته، وإنما بما صنعه عندما وصلت الرحلة إلى لحظتها الفاصلة.
