في كرة القدم المصرية، هناك قصص كثيرة تبدأ بعبارة "لاعب موهوب"، ثم تنتهي بعد سنوات بعبارة أخرى أكثر قسوة: "كان مشروع لاعب كبير"،وبين الجملتين تضيع عشرات المواهب في طرق جانبية لا تنتهي من الانتظار والإعارات والفرص المؤجلة.
لهذا تبدو قصة حمزة عبد الكريم مختلفة.
ليس لأنها قصة لاعب انتقل إلى برشلونة، فحسب، وإنما لأنها تكشف حقيقة أعمق تتجاوز كرة القدم نفسها؛ وهي أن الموهبة أحيانًا تحتاج إلى تطوير فعلا ولكنها تحتاج أيضا إلى فرصة تجعل الآخرين يلاحظون وجودها.

قبل أشهر قليلة، لم يكن حمزة عبد الكريم أحد الأسماء المتداولة بقوة داخل قطاع الناشئين في الأهلي، لاعب يمتلك إمكانيات جيدة مثل كثيرين غيره، لكنه لم يكن في دائرة الضوء التي تجعل الجماهير تتحدث عنه أو الإعلام يراقب خطواته باستمرار.
ثم جاءت مشاركته مع منتخب مصر تحت 17 عامًا.
خلال فترة قصيرة، تغير كل شيء بصورة تكاد تبدو غير منطقية، اللاعب الذي لم يكن يحظى باهتمام كبير وجد نفسه تحت أنظار كشافي برشلونة، لينتقل بعدها إلى الفريق الرديف للنادي الإسباني، ويقدم مستويات لافتة، ثم ينضم إلى قائمة منتخب مصر المشاركة في أكبر محفل يخص كرة القدم" كأس العالم" .
كل ذلك حدث في أقل من ستة أشهر.
وليس من المنطقي أن نسأل : ماذا تعلم حمزة خلال تلك الأشهر؟.. لأنه بالطبع في فترة لا تزيد عن 4 أشهر لم يتعلم كيف يمارس كرة القدم
وهنا السؤال الأهم: هل تغير حمزة أصلًا؟
في الأغلب لا.
الموهبة نفسها كانت موجودة قبل السفر، والقدرات نفسها كانت موجودة قبل انتقاله إلى إسبانيا، لكن الاختلاف الحقيقي كان في زاوية النظر إليه.

مشكلة الرقم في المعادلة
هناك مشكلة تواجه كثيرًا من المواهب داخل المؤسسات الكبيرة، وهي أن كثرة الأسماء تجعل الفرد مجرد رقم إضافي في قائمة طويلة،ومع مرور الوقت يصبح من الصعب اكتشاف الاستثنائي وسط المعتاد.
الأمر يشبه شخصًا يمتلك لوحة فنية معلقة في غرفة منزله منذ سنوات، يراها كل يوم حتى يتوقف عن ملاحظتها، بينما قد يدخل شخص غريب إلى الغرفة فيقف أمام اللوحة مبهورًا بها.. اللوحة لم تتغير ،الذي تغير هو العين التي تنظر إليها ،وهذا ما يجعل قصة حمزة مثيرة للتأمل.
فلو استمر داخل المسار التقليدي، ربما كانت رحلته ستسير بشكل مختلف تمامًا، مشاركة متقطعة في فرق الناشئين، ثم انتظار طويل لفرصة مع الفريق الأول، وبعدها إعارة إلى ناد يبحث عن البقاء في الدوري ثم إعارة لسيراميكا ، ثم إعارة أخرى، وربما ثالثة.
وبمرور الوقت تتحول الموهبة إلى لاعب يجتهد فقط لإثبات أنه ما زال موجودًا، رحلة مألوفة جدًا في الكرة المصرية، حتى إن الجماهير أصبحت تحفظ تفاصيلها عن ظهر قلب.

والمفارقة الساخرة أن انتقال حمزة إلى برشلونة منحه شيئًا أبسط بكثير "مجرد فرصة يُنظر إليه دون أحكام مسبقة ،في بيئة جديدة، لا أحد يعرف ترتيبه داخل القطاع، ولا من سبقه، ولا من ينافسه، ولا أي حسابات أخرى، هناك سؤال واحد فقط ماذا تستطيع أن تقدم داخل الملعب؟
لهذا أهم خطوة في قصة حمزة هي خروجه من المسار الذي كان يمكن أن يبتلع هويته تدريجيًا ،فالنجاح في كثير من الأحيان يأتي عندم تجد المكان الذي يسمح للآخرين بأن يكتشفوا أنك كنت جيدًا منذ البداية وأن اختلاف البيئة كفيل بإبراز كل ما عندك
وهذا بالضبط ما حدث مع حمزة عبد الكريم خلال ستة أشهر فقط… ستة أشهر كانت كافية لكي ينتقل من لاعب شبه مجهول داخل قطاع ناشئين مزدحم، إلى موهبة يراقبها الجميع.
