بين الأحمر والأبيض تتجسد المنافسة بكل ما فيها من حماس وذكريات وصخب حتى صار اللقاء بينهما أكثر من مجرد مباراة ، بل موعدا تنتظره القلوب قبل العيون .. الأهلي والزمالك ليسا مجرد ناديين لكرة القدم ، بل هما حكاية شغف تمتد في وجدان المصريين عبر الأجيال .
الأهلى .. الفخر والانتماء ، عشق لا يهدأ لدى منتسبيه ، إسم ارتبط عند الملايين بالبطولات ، كل نجاح له ينعكس في الشارع المصري كأنه انتصار شخصي ، وكل خيبة أمل ستتحول تباعا لأحاسيس انكسار لدى محبيه ، هذا الارتباط الشديد الذي يصل إلى حد التعصب الأعمى يجعل جماهيره أكثر حساسية تجاه أى خلل يحدث في القرارات أو ارتباك في الأداء فيتحول الحب إلى غضب وسخط إدراكا من الجمهور أن الأهلي لا يليق به غير الفوز خائفين على مكانته حريصين على أن يبقى كما إعتادوه .. كبيرا في حضوره .. منصورا في مباراته .. صائبا في قراراته .. ومحصنا بثقة جماهيره التي لا تقبل له سوى القمة .
الزمالك بأناقته الكروية وجمهوره الذي يؤمن دوما بأن معجزة ما ستصير وسيتحقق الفوز يوما ما ، حقيقة كنت أتعجب كثيرا من جماهيره .. – من غير زعل - .. كنت أراهم دوما مثالا للوفاء بلا طائل ربما يتغير رأيي أحيانا في حالات الفوز القليلة .. يمتلك جمهوره روح لا تعرف الاستسلام رغم الخسائر المتلاحقة فيبقى محتفظا بروحه القادرة على النهوض من جديد .. صبر طويل ، أمل دائم بأن الفوز سيكون .. حتى وإن كان بعد سلسلة من العثرات .. فعندما يأتي النصر يكون له طعمه الخاص ، يمحو مرارة الماضي القريب ويعيد لجمهوره الثقة والكبرياء والكرامة بعد أن ظن الآخرون أنه قد إنطفأ
اعتادت الجماهير أن ترى الأهلي في موقع الفوز كثيرا ، أما الزمالك فهو في موقغ المطاردة أو الخسارة أو التعثر حتى صار الفوز الزملكاوي في نظر البعض حدثا يخرج عن المألوف ويقلب ميزان التوقعات ، ومن هنا تبدأ المكايدة بين الطرفين ، فأنصار الزمالك يعتبرون الانتصار رسالة رد اعتبار وفرصة لاستعادة الصوت العالي بعد أن ظل خافتا لفترات طويلة نسبيا ، أما الأهلي فمجرد عثرة عابرة لا تعني التغيير من الثبات المعتاد لجمهوره ولكنها قد تثير لديهم مشاعر شديدة الغضب ، والمحزن في الأمر لديهم أن المباراة لا تنتهي عند صفارة الحكم بل ستمتد في أحاديث المدرجات ومواقع التواصل الإجتماعي والعمل واللقاءات الحياتية اليومية لتتحول إلى مواجهة معنوية شديدة القسوة سيعانون منها حتى اللقاء الثاني أو بداية موسم جديد ، مؤكدين أن كرة القدم بين القطبين لا تُلعب في الملعب وحده بل في الذاكرة واللسان والانفعال والتصرفات .. وغيرها
لتوضيح الأمر لك عزيزي القارئ .. أنا لا انتمي لأى منهما ، ولا أرى في كرة القدم أكثر من كونها لعبة من بين ألعاب كثيرة وحقيقة لا يهمني أمر تلك الساحرة المستديرة التي تأسر قلوب الملايين ،وليس لدي خبرة أو معرفة عن لاعبي كل ناد ، ... ومع ذلك تبقى لبعض اللحظات ذاكرة لا تنسى ,, أتذكر بيتنا يوم كان الأهلي ينتصر وكيف كان أبي يفيض سعادة .. سعادة لا تطول كثيرا لإدراكه أن الفوز لدى ناديه هو الأساس لا الاستثناء ، أما إذا خسر فقد يتحول البيت إلى جمرة من نار وكأن شيئا في العالم اختل فجأة فيتساءل لأيام .. كيف ولماذا وما الذي تغير ؟ أتذكر أيضا بيت العائلة في الإسكندرية حين كنا نتحاشي خالى الأوسط إذا انهزم الأهلي – وليلته سودا من يجرؤ على الكلام معه حينها – في المقابل كان خالي الأكبر الزملكاوي يعلن عن زئيره في كبرياء الأسد العجوز ، أسد شاخ جسده لكن صوته ما زال يعرف طريقه إلى الساحة مؤكدا أن الأمل مهما طال انتظار نتيجته إلا أنه يتحقق .. أتذكر يوم أن يجمعنا قبل المباراة ليقدم لنا الإغراءات بقطع حلوى أو ما شابه من الإغراءات الأخرى لكى نشاركه التشجيع للزمالك أثناء المباراة ، وما أن يجتمع الإثنان– الخال الأوسط والأكبر – يتحول الأمر إلى مباراة أخرى تدور خارج الملعب فيها المزاح والموالاة والمكايدة ، الأمر الذي قد ينقلب بين لحظة وأخرى إلى تعصب لا يحمد عقباه حين تتجاوز الحماسة حدودها وتغلب العصبية على روح الدعابة ، فكم من كلمة قيلت على سبيل السخرية تحولت إلى شرارة ، وكم من نقاش بسيط بشأن مباراة انتهى لعتاب حاد أو توتر قد يفسد الود في العلاقات .
وهكذا يبقى الأهلي والزمالك أكثر من مجرد فريقين يتنافسان على ملعب أيهما يكون سيده ، فهما حكايتان متوازيتان تختصران ذاكرة البيوت المصرية وتكشفان كيف تتحول كرة القدم إلى جزء من المزاج اليومي ، بين من يرى أن الفوز أمرا طبيعيا ومن يعتبره مفاجأة تستحق الزهو ... حكاية تستمر جيلا بعد جيل كرمز للمنافسة الرياضية المصرية .
