القصة الكاملة

د. مي مصطفى تكتب.. في قلب القصر العيني

20 أبريل 2026 10:02 م

مي مصطفى

دكتور مي مصطفى

هل قادتك الأقدار يوما للذهاب لمستشفى القصر العيني .. أدام الله عليك وعلى أحبابك وخاصتك الصحة والعافية .. إن كنت ممن قُدر لهم ذلك يوما ما .. ستتداعى في ذاكرتك الفوتوغرافية صور ما سأذكره لاحقا ، وإن لم تكن كذلك ، فأتمنى أن تدرك معي يا عزيزي تلك المشاعر المصحوبة بالكلمات .. ولعلني أنجح في ذلك قدر استطاعتي .

انتابتني الحيرة حقيقة .. هل أبدأ بتلك المشاعر السلبية التي اقتحمت رأسي فور كتابتى السطور السابقة .. أم تلك الأحاسيس الإيجابية التي هونت كثيرا من خوض تلك التجربة الأليمة.

تحًمَلني عزيزي القارئ فيما سأكتب .. فأنا من أنصار البدء بالسيئ ، فالختام مسك وهو أكثر ديمومة والأبقى في التأثير والوجدان

فإن أردت أن تعرف المعني الحقيقي لمشاعر المرض المختلطة بالعجز والبؤس والعوز .. فستجدها حتما في ذلك المكان .. توافد المئات بل الآلآف في رحلة للبحث عن الشفاء الممزوجة بالأمل ، عن نجاة من أمراض غالبا ما تركها أصحابها حتى استفتحلت في أجساد ضعيفة ، والحقيقة أنه من منا يفضل الذهاب للطبيب في بدايات الشعور بتعب أو وهن ، فقد تكون لدى معظمنا هى آخر الخطوات إذ يسبقها اللجوء للصيدلي ، أو لاستشارة أحد الأصدقاء ممن ينتمون للجماعة الطبية ، أو أولئك المقربين منا فننتظر منهم عبارات مثل " عادي ...شويه وهتبقى كويس " فيسكننا شعور الاطمئنان حتى وإن كان لسويعات ، أو يأتيك أحدهم بوصفة أو تجربة ما لعلك تجد في محاكاتها الحل في تسكين ألمك.

أتذكر عزيزي القارئ كلمة أخبرنى بها أحد المعارف من الأطباء " المريض يظل خائفا من الذهاب للمشفى متحملا ألمه ، ويتخد قرار اللجوء للطبيب عندما يغلب إحساسه بالألم مشاعر الخوف لديه " حتما هى حقيقة .. في القصر العيني ستجد  طرقا تقود إلى غرف كبيرة بل عنابر ، لكل مرض عنبر ، سرائر ممتدة ، وجوه تنطق بالألم والرجاء ، أعصاب تنفلت أحيانا كثيرة ، انتظار لما سيخبرك به الأطباء من قرارات ، نقاشات مستمرة ، مقدمي خدمات و بائعين للأدوات التي يحتاجها الزائر أو المرافق أو حتى المريض أثناء تواجده ربما لضرورتها وأحيانا للترفيه عن ذاته في أيام تمر كالدهر.

وسط كل ذلك جلست أنا ، في محاولة لتسجيل غيابي عن كل من حولي ، والحضور ذهنيا في مكان آخر .. محاولة بائت بالفشل الذريع أمام أم تبكي تشكو من ضيق الحال ، تردد دعوات لطبيب أجرى العملية المطلوبة لإبنها بكل نجاح واقتدار ، وأخ ينتظر ما سيقره الأطباء لأخيه من علاج ، وأسرة كاملة تنتظر خروج مريضها من غرفة العمليات.

وجلست أنا تحت وطأة الانتظار اللامتناهي ، بقلب نبضه يدق بتوحش ودموع تتربص في عينًي جاهزة للسقوط إن طال الانتظار، شعور ممزوج بين الأمل الخافت والخوف ، أترقب باب غرفة الكونسلتو .. أنتظر أبي كما ينتظر السجين إعلان البراءة أو الحكم ، بعقل يتخيل في كل لحظة ما يقال خلف ذلك الباب المغلق ..أنتظر أبي ذلك الجبل الشامخ الذي اهتز أساسه بتشخيصات العلاج المتضاربة فقادني القدر بتوصية من طبيب أن ألجأ لقلعة الطب المصرية لعلني أصل إلى حكم قد ينير الظلام ..هل سيكون التشخيص شفاءا يعيد إلينا الضحكات أم جرحا جديدا يمزق الأحلام.

ولكن أتعلم يا عزيزي ... في وحلة تفكيري تلك ، تدخلت يد الرحمن الودود تنقذني من عثرة أفكاري السوداء التي كادت أن تغرقني كرمال متحركة ، بنظرة أمل من سيدة كبيرة في السن ، وجهها خريطة من التجاعيد المحفورة بحكايات العمر ، لا أعرفها ولا تعرفني لكن بيدها الدافئة ربتت بلطف على كتفي كأم تهدئ طفلها الخائف ، حاولت إضحاكي ثم همست بكلماتها الحكيمة بعدم القلق والتسليم لأمر الله ..

لم استطع الانتظار طويلا .. وجدت نفسي أسير في ردهة هذه المتاهة الحضرية .. حقيقة تتحمل الدولة الملايين للعلاج بمشتملاته ، تمد يد الرعاية والدعم ، تبني جسور التنمية محاولة شفاء جراح الفقر والمرض رغم الأثقال الاقتصادية محولة التحديات إلى انتصارات جماعية.. ستجد أطباء على درجة عالية من المهارة ، بل هم خلاصة خبرة تمتد لغيرها من المؤسسات الطبية بداخل وخارج مصر ، ستجد المئات من الوافدين العرب وغير العرب ممن ينهلون من فيض تلك الخبرة أيضا ، ستجد قرارا طبيا خالصا دون تحكم لهوى أو رغبة في الكسب المادي ، ستجد عراقة لأبنية ممتدة التاريخ بأجهزة وإمكانيات حديثة.

ستجد الرحمة في جوانب كثيرة..  بأناس يتعكزون على بعضهم البعض دون سابق معرفة ، فالمريض واحد وأسرته تمتد لأفراد أسر كافة المرضى ، بل ستجد مريضا يشد من أزر مريض آخر قائما بخدمته إن استطاع سبيلا .. في أحشاء القصر العيني .. ستجد تلك المشاعر الممزوجة .. العناء والراحة ، الخبرة الطبية التي تحمل الشفاء بأيد ماهرة بأمر الله ، العراقة التي تتردد في كل حجر قديم يحكي قصص أجيال ، جدران شاهدة على نهاية قصص وكذلك على انتصارات للحياة ، ضحكات خافتة ودعوات صادقة بأن الغد سيحمل في طياته معجزة صغيرة .. في القصر العيني  حتما ستجد مشاعر الأمل دوما كوعد إلهي بأن الحياة لا تغلق أبوابها إلا لتفتح نوافذ أخرى.