القصة الكاملة

د. مي مصطفى تكتب.. الإعلام "رسالة وصناعة"

07 أبريل 2026 12:00 ص

مي مصطفى

دكتور مي مصطفى

المعادلة الصعبة .. في قاعات المحاضرات وفي المقررات الدراسية المختلفة كانت تتردد دوما مقولة " ما يجب أن يقدمه الإعلام ، وما يرغب فيه الجمهور .. تكمن المعادلة الصعبة هنا ، كيف يمكن أن يوازن الإعلام بين أدواره التثقيفية والتنويرية وبين الوقوع في فخ الإغراءات التي تحول الشاشات إلى مرايا مشوهة تعكس الرغبات الجماهيرية بصورة أكبر ، كيف يمكن للإعلام أن يكون حارسًا للقيم والمبادئ يغذي العقول بالمعلومات الدقيقة والمتوازنة ليبني مجتمعات واعية في وقت تسيدت فيه قواعد التريند حيث الغرق في بحر الترفيه السطحي والعناوين الصارخة ، ومع بيع فترات الهواء على الشاشات التي يتحول بعضها إلى لعبة مصالح يتم فيها التضحية بالجوهر من أجل الشكل والمال .

أتعلم عزيزي القارئ، الأمر صعب للغاية بأن يوازن الإعلام بين دوره التثقيفي كمعلم يزرع البذور الفكرية في عقول المتلقين ، وبين رغبات الجماهير في عصر الاستهلاك السريع والمطالبة بالعناوين الدامية والقصص الدرامية السريعة التي تُشبع الجوع العاطفي الفوري فيجد الإعلام نفسه مجبرا على التنازل عن العمق التثقيفي لصالح الإيقاع العاجل والصدمات البصرية، مما يحول الشاشات من منابر معرفة إلى مسارح ترفيه، ويترك الجمهور أسيرًا للوهم بأنه يتعلم بينما هو يُغذَى بالسطحية، فهل يمكن للإعلام أن يُعيد توجيه هذه الرغبات نحو التثقيف دون فقدان جمهوره؟
الإجابة قطعا نعم .. ولكن قبل أن نتسرع بالحكم ، عليك أن تعلم عزيزي القارئ أن الأمر يشكل تحديًا بالغ الصعوبة بأن يحقق الإعلام توازنا بين تقديم محتوى ثقافي وتنويري يرتقي بالمجتمع، وبين تلبية رغبات الجمهور الذي يميل إلى الترفيه السريع والمحتوى الاستهلاكي.

بل إن الأمر يزداد صعوبة مع أمرين ، تحول الإعلام مع الوقت إلى صناعة .. هو كذلك في معظم المجتمعات الرأسمالية منذ البداية، إذ يعمل وفق مبادئ السوق الحرة التي تفرض المنافسة وجذب الجماهير لضمان الإيرادات من الإعلانات والرعاية ، إلى أن جاء أصحاب المهنة والمتخصصين ليدافعوا عن دوره الاجتماعي ومبادئه ، محذرين من أن التركيز على الربح يقوض المهمة التنويرية ، فالحل الأساسي إذن يكمن في ضمان تمويل مستقل ومستدام للإعلام يبعده عن المصالح ، فهكذا يستعيد دوره كصوت للثقافة والوعي دون تنازل عن جاذبيته للجمهور.

الأمر الثاني هو أن يعمل الإعلام في مجتمع يعاني من تدهور أخلاقي وسيادة مظاهر التفاهة العقلية وانتشار سطحية التفكير بين أفراده بما يحُول دون بناء وعي نقدي ، على الإعلام ألا يستسلم حينها ، ولكن عليه أن يعمل وفق قواعد ذكية ، مدركا أنه في لعبة مع الجمهور فإن أراد الفوز والاستمرار فيه ..عليه أن يشبع رغبات المتلقي وأن يلعب لصالحه دوما.

كأن هناك سُلما سيصعد الجمهور أدراجه من القاع إلى السطح ، الأمر يشبه تناول جرعات من دواء غير مستساغ الطعم وعلينا أن نضيف عليه نكهات لابتلاعه ، فتقديم الثقافة بأبعادها المختلفة بشكل جاف أشبه بتناول وجبة مغذية دون أن تكون لذيذة ، خاصة أن المنافس للإعلام لم يعد مجرد وسيلة إعلامية أخرى ، بل تحول إلى مواقع التواصل الاجتماعي التي تغرق الجمهور بمحتوى فوري ومتنوع ومثير وأحيانا كثيرا قد يكون تافها لجذب الانتباه السريع.

هكذا تتضح الصورة ، نعم الأمر صعب لكنه ليس مستحيلًا ، الإعلام يستطيع أن يُجدّد أدواته، فيدمج التثقيف في قالب جذّاب، يوظّف القصص الحقيقية، والسياقات التاريخية، وتحليل الواقع في شكل مصوّر ومباشر، لا يُقصّر في الإثارة، بل يُحوّلها إلى جزء من الرسالة التعليمية، فيجعل المعرفة مشاهَدة لا تحمّلًا ،  فقط حينها يمكن أن ينحاز الإعلام إلى قيمه دون أن يفقد جمهوره، بل يصنع له جمهورًا أكثر وعيًا وطلبًا للحقيقة ، كما فعل على سبيل المثال برنامج "دولة التلاوة" الذي مزج التراث الديني بالثقافة الشعبية ، مشبعًا رغبات الجمهور في البرامج الدينية بينما يعزز الهوية الوطنية.

أيضا يجب التشبيك مع مؤسسات التعليم والثقافة كالجامعات، ومراكز البحوث ومؤسسات التثقيف وخبراء التسويق لإنتاج برامج مشتركة تحمل الجاذبية الفنية والرسالة التثقيفية معا ، الأكثر أهمية أيضا هو إعمال مبادئ الصحافة التشاركية فالجمهور شريك الآن في صنع الرسالة والتواصل معه وتحويل ملاحظاته وأفكاره وتفضيلاته إلى برامج تفاعلية سيعزز ذلك من الحوار البناء بهذه الخطوات وغيرها يمكن أن يتحول الإعلام من منصة جامدة ونمطية إلى منصة فاعلة زمتجددة لبناء وعي شامل، يربط المواطن بأهداف الوطن، ويزوده بالأدوات الفكرية لفهم واقعه، ومشاركة إيجابية في بناء المستقبل.