القصة الكاملة

محمد عبدالوهاب يكتب: رحل «سميح» السند وبقي الأثر.. حكاية 5 أيام ووداع مهيب

30 مارس 2026 02:33 ص

محمد عبدالوهاب

الكاتب الصحفي محمد عبدالوهاب

في حياة كل منا لحظة فاصلة، تعيد ترتيب الأولويات وتكشف لنا حقيقة الدنيا الزائلة… بالنسبة لي، كانت تلك اللحظة هي الحادث المؤسف الذي اختطف أخي "سميح" من وسط أحلامه، ليضعه في اختبار قاسٍ داخل غرف العناية المركزة لمدة خمسة أيام، كانت هي الأطول والأثقل.

 

خمسة أيام قضاها "سميح" بين يدي الله، والقلوب قبل الألسنة تلهج بالدعاء… كنت أنا أول من وقعت عيناه عليه بعد الحادث؛ مشهدٌ لا يتحمله عقل، ولا تصفه مرارة الكلمات.

وقفت أمام جسده المثقل بالجراح، أمسكت يده التي طالما كانت سنداً لي، ناديت عليه بكل ما أوتيت من أمل.. وفي تلك اللحظة وقعت المعجزة الصامتة، إذ ضغط "سميح" على يدي مرتين، وكأنه يودعني أو يطمئنني أنه ما زال يسمع نبض قلبي المنكسر عليه.

 

خلف أبواب العناية، كان هناك مشهدٌ آخر يمزق نياط القلوب؛ أبٌ وقف صامداً كالجبل لكن عينيه كانت تروي حكاية انكسار لم أعهدها فيه من قبل، كان ينظر وكأنه ينتظر معجزة. 

أما أمي… فيا له من وجعٍ لا تطيقه الجبال، كانت دموعها تسبق دعاءها، تهمس باسمه في كل سجدة، وتنادي "سميح" بقلبها المحترق: " يا بني، لا تتركني وحدي، الدنيا ظلام بدون وجهك "

رؤية انكسار الوالدين أمام فلذة كبدهما هي الموت الحقيقي قبل الموت، فما أصعب أن يدفن الأب ابنه، وما أقسى أن تودع الأم من سهرت الليالي لتربيته.

 

لم يتوقف المشهد عند هذا الحد، فالفجيعة كانت أكبر من أن تُحتوى… دخلت زوجته المنهارة، تتشبث بآخر خيوط الأمل، نادته بكلماتٍ حفرت في جدران المستشفى ألما: " أنا منار حبيبتك.. رد عليا يا «سميح».. مش اتفقنا نربي حمزة ابننا سوا؟" في تلك اللحظة، استجمع أخي بقايا قوته ليضغط على يدها هي الأخرى، وكأنها أمانة أخيرة يتركها قبل الرحيل… 

كان المشهد يفوق الاحتمال، وبينما كان قلبي يحترق، وجدت نفسي مضطراً للثبات، أطمئن أبي وأمي المكلومين، وأسند إخوته وزوجته، وأنا الذي أحتاج من يسندني.

 

جاء أمر الله، ورحل "سميح" الذي كان يملأ الدنيا بهجة… لكن الصدمة تحولت إلى "ملحمة حب"؛ آلاف المشيعين، وجنازة مهيبة لم تشهدها منطقتنا من قبل، نعيٌ من القريب والبعيد، ودعواتٌ لا تنقطع... لقد كان أخي "جبر خاطر" لكل من عرفه، فجزاه الله حباً في قلوب خلقه.

لقد فقدت اليوم أخي، وفقد "حمزة" والده، وانطفأت شمعة في قلب أبي وأمي وكل من نعاه عند وفاته، لكننا لا نقول إلا ما يرضي ربنا: "إنا لله وإنا إليه راجعون".

ويبق السؤال المؤلم يراودني هنا

«إذا كان الرحيل قد كُتب علينا جميعاً، فهل نملك من رصيد الحب ما يجعل آلاف القلوب تبكي فراقنا كما فعلت مع أخي اليوم»

«وكيف لقلب أمٍ وأبٍ أن يحتملا برد التراب على جسد «سميح» الذي كان بالأمس يملأ بيتهما دفئاً وحياة، وهل يكفينا العمر كله لنعتاد على هذا الفراغ؟»