أصدر مركز رع للدراسات الاستراتيجية عددًا جديدًا من سلسلة "أوراق القاهرة" بعنوان: "معادلة الاستقرار... كيف أدارت الإمارات أزمة الحرب؟"، في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، حيث تتداخل فيه الضغوط العسكرية مع رهانات الاقتصاد، وتتقاطع فيه الحسابات السياسية مع معركة الوعي وصراع النماذج في المنطقة. ويأتي هذا العدد بوصفه قراءة تحليلية متماسكة تحاول تفكيك ما جرى، ليس فقط من زاوية الحدث العسكري، بل من زاوية قدرة الدولة الإماراتية على إدارة منظومة كاملة من التحديات في وقت واحد، والحفاظ على استقرارها الداخلي وثقة المجتمع والأسواق، رغم اتساع نطاق التهديدات.
فالعدد لا يكتفي برصد وقائع الأزمة، بل ينطلق من فرضية أساسية مفادها أن استهداف دولة الإمارات لم يكن مجرد فعل عسكري محدود، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة الحديثة على إدارة الأزمات المركبة، حيث تتشابك الاعتبارات الأمنية مع المعادلات الاقتصادية، وتتقاطع أدوات الردع مع أدوات السياسة والإعلام، في مشهد يعكس طبيعة الصراعات المعاصرة التي لم تعد تُدار بالسلاح فقط، بل بإدارة الدولة ذاتها.
وفي هذا السياق، استهل الدكتور أبوالفضل الإسناوي، المدير الأكاديمي لمركز رع للدراسات الاستراتيجية، محاور العدد بورقة تحليلية عميقة تناولت الدلالات العسكرية للأرقام، موضحًا أن حجم الهجمات التي تعرضت لها الدولة خلال فترة قصيرة لم يكن اختبارًا عابرًا، بل ضغطًا عملياتيًا متواصلًا على منظومة الدفاع الجوي، وهو ما كشف – بحسب التحليل – عن مستوى متقدم من الجاهزية الفنية والاحترافية العملياتية، وقدرة على الحفاظ على الأداء المستقر تحت ضغط متصاعد.
وتؤكد هذه القراءة أن نجاح منظومة الاعتراض لم يكن مجرد نجاح تكتيكي في مواجهة تهديدات آنية، بل انعكاسًا لاستراتيجية طويلة المدى في بناء القدرات الدفاعية، والاستثمار في التكنولوجيا والتدريب والتنسيق بين وحدات الرصد والإنذار المبكر، بما يضمن استمرار الكفاءة التشغيلية في أصعب الظروف. وهنا تتجلى معادلة الاستقرار التي يطرحها العدد، باعتبارها معادلة تقوم على الاستمرارية في الأداء، لا على رد الفعل اللحظي.
وفي محور آخر لا يقل أهمية، قدمت الباحثة رضوى محمد قراءة اقتصادية دقيقة تحت عنوان: "اختبار المرونة: كيف حافظ النموذج الاقتصادي الإماراتي على استقراره الداخلي في زمن الحرب؟"، حيث ركزت على أن قوة الاقتصاد الإماراتي لم تكن في حجمه فقط، بل في بنيته المتنوعة وقدرته على التكيف السريع مع الصدمات.
وتشير الدراسة إلى أن استمرار تدفقات الاستثمار، واستقرار الأسواق، وتوافر السلع الأساسية، لم يكن نتيجة إجراءات طارئة، بل نتيجة سياسات اقتصادية تراكمت عبر سنوات طويلة من التخطيط، وهو ما جعل الاقتصاد قادرًا على امتصاص الضغوط دون أن يتحول التهديد الأمني إلى أزمة اقتصادية أو اجتماعية، وهي نقطة جوهرية في فهم طبيعة الاستقرار في الدولة الحديثة.
غير أن العدد لم يتوقف عند الأبعاد العسكرية والاقتصادية، بل ذهب إلى تفكيك الأبعاد السياسية والأمنية للاستهداف، حيث تناولت الدكتورة أسماء دياب في ورقتها التحليلية موضوع جماعة الإخوان بوصفه أحد العوامل التفسيرية في قراءة سياق الاستهداف، موضحة أن الصراع مع التنظيمات العابرة للحدود لم يكن صراعًا أمنيًا فقط، بل صراعًا على طبيعة الدولة ومفهومها.
وترى الدراسة أن مواجهة الدولة لتيارات الإسلام السياسي، وكشفها لخلايا تنظيمية مرتبطة بجماعة الإخوان في مراحل سابقة، أسهم في تصاعد الحملات السياسية والإعلامية ضدها، حيث سعت هذه التنظيمات إلى استثمار الأزمات الإقليمية لإعادة التموضع، ومحاولة التأثير في الرأي العام الدولي، وهو ما يفسر – وفق تحليل الورقة – أن الاستهداف لم يكن موجهًا إلى منشآت فقط، بل إلى نموذج دولة يحقق الاستقرار والتنمية في بيئة إقليمية مضطربة.
وفي امتداد لهذا التحليل، تناول الباحث ضياء نوح في ورقته موضوع الإعلام وإدارة الرواية خلال الأزمة، مؤكدًا أن الإعلام لم يكن مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح أداة رئيسية في إدارة الأزمة ذاتها. فقد اعتمدت الدولة – كما توضح الدراسة – على سياسة تواصل قائمة على الشفافية والانضباط المؤسسي، من خلال بيانات رسمية ومؤتمرات صحفية منتظمة، هدفت إلى تقديم صورة دقيقة لما يجري على الأرض، وتقليل مساحة الشائعات، وبناء حالة من الثقة العامة في مؤسسات الدولة.
وتشير الورقة إلى أن نجاح الإعلام في إدارة المشهد لم يكن مرتبطًا بحجم الرسائل فقط، بل بوضوحها واتساقها، وهو ما أسهم في توجيه الرأي العام نحو فهم واقعي للأزمة، بعيدًا عن المبالغة أو التهويل، وهو ما يعكس إدراكًا متقدمًا لدور الإعلام كأحد أدوات الأمن القومي في زمن الحروب.
أما على المستوى الخارجي، فقد تناولت الباحثة ساجدة السيد في ورقتها التحليلية الدبلوماسية الإماراتية خلال الأزمة، موضحة أن التحرك الدبلوماسي لم يكن مجرد نشاط بروتوكولي، بل عنصرًا أساسيًا في إدارة الأزمة، حيث تحولت الدولة خلال فترة التصعيد إلى مركز تواصل دولي نشط، أجرت خلاله اتصالات مكثفة مع عدد من القادة والمسؤولين الدوليين، بهدف احتواء التصعيد وتعزيز الثقة في قدرة الدولة على إدارة الموقف.
وتؤكد الدراسة أن هذا التحرك الدبلوماسي أسهم في توسيع شبكة الدعم الدولي، وتحويل الاستقرار الداخلي إلى رسالة سياسية تعزز مكانة الدولة في النظام الإقليمي والدولي، وهو ما يعكس أن الدبلوماسية لم تكن منفصلة عن باقي أدوات إدارة الأزمة، بل جزءًا من منظومة متكاملة لإدارة التوازن بين الردع والاستقرار.
وفي سياق متصل، تناولت الباحثة ريهام السادات في ورقتها التحليلية محور النخبة الفكرية والإعلامية من زاوية نقدية، مركزة على الدور الذي تلعبه بعض السرديات الإعلامية غير الرسمية في إعادة تشكيل إدراك المتلقي لطبيعة الصراع الإقليمي.
وأوضحت الدراسة أن الإعلام لم يعد مجرد وسيلة لنقل الأحداث، بل أصبح فاعلًا رئيسًا في إنتاج السرديات وصياغة التصورات العامة، وهو ما يضع النخب الفكرية والإعلامية أمام مسؤولية مضاعفة في تفسير الوقائع وتقديم قراءة متوازنة للمشهد الإقليمي، خاصة في ظل تعقيدات الصراع بين إيران ودول الخليج.
كما تشير الورقة إلى أن بعض الخطابات الإعلامية غير الرسمية تميل إلى تبني سرديات تبسيطية تختزل المشهد المعقد في ثنائيات أيديولوجية جامدة، مثل تصوير إيران باعتبارها قوة مقاومة في مواجهة الغرب، مع تجاهل أبعاد تدخلها في الإقليم وتأثير ذلك على الأمن القومي العربي، وهو ما يؤدي إلى إنتاج فهم مشوّه للواقع وتكوين وعي غير دقيق لدى المتلقي.
وعلى الجانب الآخر، رصدت الدراسة سردية موازية تقلل من أدوار دول الخليج وتختزلها في صور نمطية ضيقة، مثل تصويرها كقوى تابعة للغرب، متجاهلة التحولات الاقتصادية والسياسية التي شهدتها هذه الدول ودورها المحوري في دعم الاستقرار الإقليمي، سواء عبر الوساطة السياسية أو من خلال الحفاظ على استقرار أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
وتؤكد الورقة أن خطورة هذه السرديات لا تكمن في اختلاف وجهات النظر، بل في قدرتها على تعطيل الفهم النقدي وتشويه إدراك المصالح الوطنية، بما قد يؤدي إلى خلق فجوة في الوعي العام تجاه طبيعة التحديات الإقليمية، خاصة في ظل تصاعد الأزمات الأمنية والاقتصادية في المنطقة.
وفي محصلة هذا العدد، تؤكد "أوراق القاهرة" أن التجربة الإماراتية في إدارة الأزمة تقدم نموذجًا متكاملًا في إدارة الدولة الحديثة، نموذجًا يقوم على توازن دقيق بين القوة والمرونة، بين الردع العسكري والاستقرار الاقتصادي، بين التحرك الدبلوماسي وإدارة الوعي، وبين دور الدولة ودور النخبة في حماية المجتمع.
فمعادلة الاستقرار التي يطرحها هذا العدد ليست شعارًا نظريًا، بل تجربة عملية أثبتت أن قوة الدولة في زمن الأزمات لا تُقاس بحجم التهديدات التي تواجهها، بل بقدرتها على الاستمرار في العمل بكفاءة، والحفاظ على توازنها الداخلي، وصناعة الثقة في أصعب اللحظات.
