
بعيدًا عن ضجيج المدينة، وفي هدوء قرية "أمشول" التابعة لمركز ديروط بمحافظة أسيوط، يجلس الشاب وليد رضوان علي عبد الراضي، البالغ من العمر 22 عامًا، داخل زاوية مخصصة بالدور الأرضي في منزله، يلتف حوله العشرات من أهالي القرية لترديد آيات القرآن الكريم. الشاب الذي فقد بصره، أضاء بصيرته بحفظ كتاب الله كاملًا بالقراءات العشر، وتخرج في كلية أصول الدين والدعوة بجامعة الأزهر قسم التفسير وعلومه، ليصبح علامة مضيئة ومحط تقدير بين جميع أهالي قريته.
*من أمام شاشة التلفزيون إلى إتقان القراءات*
لم تبدأ علاقة "وليد" بالقرآن الكريم صدفة، بل تشكلت في سن مبكرة جدًا، وتحديدًا وهو في الثالثة من عمره. كان الطفل حينها يستمع بشغف إلى إذاعة القرآن الكريم ويردد الآيات خلف التلفزيون، بالتزامن مع التحاقه بكتاب القرية ليحفظ على يد مشايخها. وبفضل هذه البداية القوية والمبكرة، تمكن من ختم القرآن الكريم كاملًا وهو في الصف الخامس الابتدائي، ولم يتجاوز عمره حينها 11 عامًا، لتبدأ بعدها مرحلة التعمق في علوم التجويد.
*تضحيات الأم ودعم الأسرة*
لم تكن هذه الرحلة لتستمر لولا وجود جدار صلب من الدعم الأسري. كان لوالديه دور أساسي في تشجيعه وتأسيسه الديني، وتبرز هنا تضحية والدته التي كانت ترافقه يوميًا على مدار أربع سنوات كاملة خلال دراسته الجامعية في كلية أصول الدين بأسيوط، تنتظره بالساعات حتى ينهي محاضراته لتعود به إلى المنزل. وإلى جانب دور الأم، كان لخاله، الشيخ محمد محمود حسانين، وهو معلم قراءات وتجويد، دور بارز في مراجعة حفظه باستمرار وضبط أحكام التلاوة لديه.
*موهبة الإنشاد وإجادة 3 لغات*
لم يتوقف طموح الشاب الأزهري عند إتقان القراءات العشر، بل امتد شغفه ليشمل الإنشاد الديني ودراسة اللغات. فهو يدرس ويجيد ثلاث لغات أساسية هي: العربية، والإنجليزية، والتركية، ويطوع هذه اللغات في أداء الأناشيد والابتهالات الدينية بمهارة. ويتميز الشاب بصوت عذب ومخارج حروف منضبطة، تظهر بوضوح في تلاواته الخاشعة لآيات القرآن، ، وفي ابتهالاته التي تتغنى بحب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مروراً بالأناشيد التي يؤديها باللغة التركية بطلاقة.
*منزل يتحول لساحة علم متكاملة*
انطلاقًا من مسؤوليته تجاه مجتمعه، قرر الشاب تحويل الدور الأرضي من منزله إلى مقر دائم لتحفيظ القرآن الكريم للأطفال والشباب، وهو العمل الذي بدأه منذ كان طالبًا في الصف الثالث الثانوي وأصبح حاليًا مصدر دخله الوحيد. ولا يقتصر دوره على التلقين فقط، بل يحرص على تعليم طلابه أحاديث النبي، وسيرته العطرة، ونسبه الشريف من جهة الأب والأم، ليربط الأجيال الجديدة بأساسيات دينهم.
*إشادة مجتمعية ومكانة بين الكبار*
يحظى "وليد" بمكانة خاصة بين أهالي أمشول، فهو من يؤم المصلين بمسجد قريته، رغم عدم تعيينه رسميًا بوزارة الأوقاف. وقد تجلت هذه المكانة في إشادة أهالي القرية به، ومنهم الأستاذ محسن سالم، الذي يعرفه منذ طفولته وأكد على التزامه الدائم بالصلاة في المسجد وحضوره المستمر في حلقات العلم، داعيًا لوالديه بالخير على حسن تنشئته.
*أمنيات مشروعة.. الأوقاف ولقاء شيخ الأزهر*
على المستوى الشخصي، "وليد" هو الابن الأكبر بين ستة أشقاء، بعضهم يدرس في المعاهد الأزهرية، ولم يسبق له الزواج. ويحمل الشاب في قلبه أمنيات مشروعة يسعى لتحقيقها، على رأسها توفير فرصة عمل له وتعيينه رسميًا كإمام وخطيب في وزارة الأوقاف، بالإضافة إلى أمنيته الكبرى بلقاء فضيلة الإمام الأكبر الدكتور "أحمد الطيب" شيخ الأزهر الشريف، والدكتور "أسامة الأزهري" وزير الأوقاف، متمنياً أن يمثل محافظته في المحافل والمسابقات القرآنية الكبرى.




