يُعدّ السيد أحمد البدوي أحد أبرز أعلام التصوف في مصر والعالم الإسلامي، وارتبط اسمه بمدينة طنطا بمحافظة الغربية، حيث تحوّل مسجده وضريحه إلى مقصد روحي لملايين الزائرين على مدار العام، وتزداد مكانته حضورًا وتأثيرًا مع حلول شهر رمضان المبارك، لما يمثله من رمز للزهد والعبادة والصفاء الروحي.
ولد السيد أحمد البدوي في مدينة فاس بالمغرب عام 596هـ تقريبًا، وانتقل إلى مكة المكرمة في صباه، حيث نشأ على حب العلم والعبادة والتأمل، قبل أن تستقر رحلته في مصر، وتحديدًا بمدينة طنطا، التي أصبحت مقر دعوته ومركز إشعاع روحي وعلمي امتد أثره إلى مختلف أقاليم البلاد.
وقد عُرف السيد البدوي بشدة التزامه بالعبادة والانقطاع إلى الله، حتى لُقّب بـ«شيخ العرب»، لما كان له من مكانة بين الناس وتأثير في النفوس، كما ارتبط اسمه بمكارم الأخلاق ونصرة المظلومين وإغاثة المحتاجين، وهي قيم تتجلى بصورة أوضح في شهر رمضان، شهر الرحمة والتراحم.
ومع حلول شهر رمضان، تكتسب روحانية مسجد السيد البدوي بطنطا طابعًا خاصًا، حيث يتوافد المصلون لأداء الصلوات، وحلقات الذكر، وتلاوة القرآن الكريم، في أجواء تجمع بين السكينة والخشوع، مستلهمين من سيرة صاحب المقام معاني الإخلاص والتجرد لله تعالى. ويشعر الزائر بأن المكان يحمل ذاكرة روحية عميقة تمتزج فيها عبق التاريخ بنفحات العبادة.
وترتبط شخصية السيد البدوي بروحانيات رمضان من حيث المنهج والسلوك؛ إذ جسّد نموذج العابد الزاهد الذي يجعل من العبادة طريقًا لإصلاح النفس والمجتمع، وهو ما يتوافق مع المقصد الأعظم للصيام في تهذيب النفوس وضبط السلوك وربط القلوب بالله. كما أن مجالسه العلمية والروحية كانت تقوم على الذكر والتذكير والتوجيه، وهي معانٍ يحرص المسلمون على استحضارها خلال الشهر الفضيل.
كما أسهم المسجد الأحمدي، المنسوب إلى السيد البدوي، في ترسيخ هذه الروحانيات عبر دوره العلمي والدعوي، حيث يحتضن دروس العلم الشرعي والفقه، خاصة ما يتعلق بأحكام الصيام والعبادات، في إطار منهج وسطي يجمع بين العلم والعمل، وبين العبادة والسلوك القويم.
ولا تنفصل مكانة السيد البدوي عن الوجدان الشعبي المصري، حيث ارتبط اسمه بمظاهر المحبة والتعلق بأهل الصلاح، دون أن ينفصل ذلك عن جوهر العبادة لله وحده، وهو ما يظهر في رمضان في صورة التزام بالعبادات، وسعي للتقرب إلى الله، واستلهام لسير الصالحين في الصبر والتقوى.
وهكذا يظل السيد أحمد البدوي رمزًا روحيًا يتجدد حضوره في شهر رمضان، لا من خلال المقام فحسب، بل من خلال القيم التي دعا إليها وسار عليها: الزهد، والعبادة، والإخلاص، وخدمة الناس. ويظل مسجده بطنطا شاهدًا على امتداد هذا الأثر الروحي عبر القرون، حيث تلتقي فيه قلوب العابدين مع نفحات الشهر الكريم، في مشهد يجمع بين التاريخ والروحانية والإيمان.
