
من داخل قرية "صنبو" بمركز ديروط في محافظة أسيوط، تبرز قصة إنسانية تتجاوز مجرد كونها عملية جراحية، لتصبح وثيقة وفاء نادرة بين أخ وشقيقته. بطل القصة هو "محمد مصطفى عبد الحفيظ دكروري"، شاب يبلغ من العمر 32 عاماً، يعمل باليومية، وجد نفسه أمام اختبار قاسٍ حينما تدهورت صحة شقيقته، ليقرر التبرع لها بجزء من كبده، مستنداً إلى "رؤية منامية" دقيقة كانت الفاصل في تحويل خوفه إلى يقين، دافعاً بجسده لإنقاذ "إرث والديه" المتمثل في شقيقته.
*تدهور الحالة: "وجه أسود وعظام تتكسر"*
يسرد "محمد" بداية المأساة، مشيراً إلى أن شقيقته كانت تعاني من حالة صحية متأخرة للغاية، حيث وصل بها المرض إلى مرحلة حرجة تغيرت معها ملامحها تماماً. يقول واصفاً المشهد: "أختي كان وشها اسود، وجسمها معبي ميه، وحصلها هشاشة عظام لدرجة إن عضمها كان بيتكسر وهي قاعدة". أمام هذا الوضع الكارثي، لم يكن هناك مفر من التدخل الجراحي وزراعة الكبد، وهنا قرر "محمد" – وهو الأخ الأكبر لثمانية أشقاء (5 ذكور و3 إناث) – أن يكون هو المتبرع، معتبراً أن هذا واجبه تجاه "زرعة أبيه وأمه" اللذين ربياهم على الحب والخوف على بعضهم البعض.
*تحذيرات ومخاوف: "صراع النفس قبل الجراحة"*
لم يكن القرار سهلاً، خاصة وأن "محمد" متزوج ويعول طفلين (5 سنوات و3 سنوات)، ويعتمد في رزقه على "صحته" كعامل يومية. واجه الشاب ضغوطاً نفسية وتحذيرات من المحيطين به، حيث خوفه البعض من خطورة العملية وتأثيرها المستقبلي عليه، بينما شجعه آخرون من الأهل والأصدقاء. عاش "محمد" أياماً من التردد والصراع الداخلي، فلجأ إلى الله بصلاة الاستخارة، مفوضاً أمره لخالقه، وعقد النية على التبرع إذا ما شعر بإشارة ربانية.
*الرؤية الفاصلة: "النبي يوزع اللبن وحمزة قادم"*
في ليلة العملية، وتحديداً مساء يوم 5 يناير، نام "محمد" ليرى رؤية غيرت مسار الأحداث وبثت الطمأنينة في قلبه. يروي تفاصيلها الدقيقة قائلاً: "حلمت بسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، كان بيوزع لبن، والناس كانت بتجري وبتقول سيدنا حمزة جاي.. سيدنا حمزة جاي". ويضيف أنه في المنام كان يجري وسط الناس ليرى النبي وسيد الشهداء، واستيقظ من نومه فجر يوم 6 يناير بشعور مختلف تماماً، واصفاً حالته: "صحيت قلبي حديد، مفيش خوف، ودخلت العمليات الساعة 7 الصبح وأنا بضحك ومبسوط جداً، وكان عندي يقين إننا هنقوم بالسلامة".
*نجاح الجراحة والواقع الجديد*
دخل "محمد" غرفة العمليات بروح معنوية مرتفعة بفضل الرؤية، وتمت الجراحة بنجاح، حيث تبرع بفص من كبده لشقيقته. وعقب الإفاقة، اطمأن على نجاح العملية واستقرار حالة شقيقته التي بدأت في التعافي والعودة للحياة، واختفت الأعراض الخطيرة التي كانت تعاني منها. لكن، وبحسب تعليمات الأطباء، تغير نمط حياة "محمد" تماماً، حيث أصبح ممنوعاً من العودة لعمله السابق في حمل الأشياء الثقيلة أو بذل مجهود بدني شاق، وهو ما يجعله غير قادر على ممارسة مهنته الوحيدة التي يتقنها كعامل يومية.
*رسالة للشباب: "الدنيا مش دايمة لحد"*
لم يفوت "ابن ديروط" الفرصة لتوجيه رسالة عميقة من واقع تجربته لشباب جيله وللأسر المتناحرة. قال بكلمات مؤثرة: "مفيش حاجة مستاهلة إنك تزعل أخوك أو أختك عشانها، الدنيا مش دايمة لحد، وكله هيروح القبر ويسيب الفلوس والورث. أنتوا هتاكلوا في بعض عشان إيه؟ ربنا بيبعت الرزق، لكن الأخ لو راح مش بيتعوض. حبوا بعض وخافوا على بعض زي ما أهالينا ربونا، لأن صلة الرحم هي اللي باقية".
*أمنيات مشروعة: "عمرة وزيارة وشغلانة خفيفة"*
واختتم "محمد" حديثه بتلخيص أمنياته المستقبلية في شقين؛ الشق الأول روحاني، حيث يتمنى زيارة بيت الله الحرام وأداء مناسك العمرة شكراً لله على نجاة شقيقته ونجاته. أما الشق الثاني فهو مطلب معيشي ملائم، حيث يناشد بتوفير "فرصة عمل ثابتة" (وظيفة خفيفة) في أي قطاع، تضمن له دخلاً شهرياً مستقراً للإنفاق على طفليه وزوجته، وتتناسب مع وضعه الصحي الجديد الذي يمنعه من العمل الشاق، مؤكداً: "أنا نفسي في شغلانة أكل منها عيش حلال، لأني مبقتش حمل شيل وحط زي الأول، ومسؤوليتي كبيرة".
