الجدل الدائر منذ أيام عن التبرع بالأعضاء وآخرها فتوى "اتبرع بجلدك"، كشف عن مساحة رمادية بين الموت والحياة تبحث عن إجابة "هل يكون الموت بوابة جديدة للحياة؟"، في ظل قلق مدفون تحت تراب الخوف من إتجار أو امتهان لكرامة الإنسان، أو حبيس فتوى لم تصدر أو قانون لم يخرج للنور.
جراح القلوب، الدكتور مجدي يعقوب، أطلق النداء الإنساني وتحدث عن آلاف المرضى الذين يموتون في صمت، محذرا من أن "الخوف" لا المرض هو القاتل الحقيقي، إنه خوف أقوى من الموت.. خوف من الاتجار بالأعضاء، من العبث بالجسد بعد الرحيل.. هواجس متراكمة جعلت التبرع بعد الوفاة فكرة أقرب إلى المستحيل.. تبرع واحد قد يمنح الحياة لأسرة كاملة، لكنه الخوف من "الإتجار" وغياب الثقة من أن يؤدي "التبرع" إلى امتهان الجسد الذي كرمه الله.
لم تمر أيام على حديث جراح القلوب حتى انتقل الجدل إلى البرلمان، عبر مقترح بإنشاء بنك وطني للتبرع بالجلد والأنسجة فجّر السؤال المؤجل. لماذا نستورد الجلد لإنقاذ أطفالنا بينما ندفن ما يمكن أن يمنحهم فرصة للنجاة؟.. شعار "الحق في الحياة" بدا بسيطًا، لكنه اصطدم بمخاوف غياب الثقة ،حتى التبرع من المتوفى مسموح به بشرط وصية موثقة وإجراءات صارمة، لكن بين النص والتطبيق مسافة تبتلع المرضى واحدًا تلو الآخر.
دار الإفتاء حسمت الأمر منذ سنوات، التبرع بالأعضاء والجلد بعد الوفاة جائز شرعًا، بل صدقة جارية تنقذ الأرواح. لكن الفتوى لم تكسر الحاجز النفسي لدى المواطنين فالجسد "أمانة لا تُمس".. أيضا ما زالت هناك الحروق كأكثر الشهود قسوة. أجساد صغيرة، فرص نجاة لا تتجاوز 20%، بينما تقفز إلى 90% في دول تمتلك بنوك جلد.. الأطباء في مستشفيات الحروق من قلب غرف العمليات، يحكون عن جلد يُستورد لإنقاذ رضيع، وعن فرصة حياة تُهدر لأننا نخشى قرارًا بعد الموت.
وزارة الصحة أكدت أن التبرع بالجلد لا يسبب أي تشوهات للمتوفى، حيث يتم أخذ طبقة رقيقة جداً من مناطق غير ظاهرة بالجسم، دون التأثير على المظهر العام، مشددة على أن التحدي الأكبر يكمن في رفع الوعي المجتمعي، وليس في الجوانب الطبية أو التشريعية.
بين نداء طبي صادق، وفتوى لا لبس فيها، وقانون ينتظر التفعيل، يقف وعي المجتمع أمام اختبار أخلاقي وإنساني.. هل يبقى التبرع بالأعضاء فكرة مثيرة للقلق والخوف؟.. أم يتحول إلى ثقافة حياة، حيث لا يكون فيها الموت نهاية.. بل فرصة أخيرة للنجاة؟.
